strong>«هنا تولد الثورة»... «إيه، صحّ النوم»


الجمعة، الساعة الحادية عشرة والنصف ليلاً، تنتهي حفلة السيدة فيروز. يغادر جمهورها، وسمة واحدة تجمعه رغم كل اختلافاته وتنوعه، هو بريق في العينين كأنه يعكس حلماً بوطن، وطن للكرامة يولد من جديد. عند منتصف الليل، لم يكن شارع مونو كالعادة. أقفلت معظم الملاهي الليلية والمطاعم. وبدا كأنّ ثمة حظراً للتجوال في الشارع الذي غالباً ما يشهد ازدحاماً هائلاً في مثل هذا الوقت. هدوء مونو يعكّره صخب قريب مصدره أرض جديدة للسهر. هنا مخيم المعارضة.
يبدأ المخيم عند جسر فؤاد شهاب، يمر بزوايا كثيرة وساحات غصت بأكثر من خمس مئة خيمة كبيرة وصغيرة، وينتهي بأخبار كثيرة ملأت أحاديث اللبنانيين، تأييداً واستنكاراً واستغراباً.
هنا مخيّم المعارضة، شبّانه لم يشتروا بطاقات الحفل الفيروزي. وبعضهم لم يعلم أن ثمة حفلاً لسيّدة لبنان. هنا «صح النوم»، تولد من جديد: الوالي، رئيس للحكومة ينام في السرايا، يرفض النزول لمقابلة رعيّته، ولا يختم إلا الأوراق الثلاث التي تخص فريقه السياسي. والمعتصمون كانوا كثراً في ساحات بيروت، ينتظرون أن يختم طلبهم بتأليف حكومة وحدة وطنية وإجراء انتخابات نيابية مبكرة. لكن كل ذلك من دون جدوى، حالهم كحال فيروز. يقول الوالي «من حق الشعب أن يصرخ ويعبر، فهو يملك الحق في حرية التعبير، ومن حق السلطة أيضاً أن تغلق آذانها على صراخهم». عبارة تستفز شباب المعارضة، يؤكدون أنهم قادرون بأصواتهم وعنادهم أن يسقطوا السلطة الحاكمة. فصرخوا وعبروا من دون تعب. وكانوا كل بضع دقائق، يبتدعون شعاراً جديداً، يعيد الحماسة إلى عروقهم.
السبت، الساعة الواحدة فجراً، عشرات الشبان يتمشون على جسر فؤاد شهاب. مجموعة من الجيش اللبناني لا يتعدى عدد أفرادها الخمسة، تتمركز في إحدى الزوايا. يبدو المشهد من فوق كالآتي: أكثر من مئة وخمسين دراجة نارية مركونة على جانبي الطريق، فيما تتوزع الخيم على الزوايا والساحات بحسب انتماءات ساكنيها السياسية، الذين يعرّفون عن أنفسهم بصور لقادتهم أو أعلام أحزابهم أو فولارات تتوزع بين الأخضر (المردة وحركة أمل) والأصفر والبرتقالي. والأبرز وسط هذه جميعها، قبعات بيض تحمي رؤوساً، شعرها قد شاب، عنوان تحركاتها هو «الانضباط». وهؤلاء كانوا منشغلين بتأمين هدوء المعتصمين والإشراف على نصب الخيم، وتنظيم حركة سير السيارات.
السبت، الثانية فجراً، الساحة لا تنام. بيروت، بحسب أحد شبان الحزب الديموقراطي اللبناني، تستعيد دورها وبريقها. بيروت، بحسب شاب ارسلاني آخر، تعود إلى طبيعتها الشعبية، بعيداً عن تشاوف السوليديريين. يتوزع «أولاد الشارع وبناته» فوق الحصى. هنا الوجوه تلمع من انعكاس النار عليها كأنها رموز ثورية.
هنا مجموعة تهتف فدا السيد، فيما بعض الحركيين يردّدون «السيد قبل النوم، السيد بعد النوم، السيد كل دقيقة». ينزعج البعض، يتدخل عنصر انضباط ويطلب عدم زج اسم السيّد في مثل تلك الردّيات. ينحصر وجود الإناث بقرابة ثماني فقط، انشغلن بالهتاف وشغلن الشبان بهن، فاجتمعوا حولهن بأعداد كبيرة. ووسط العشرات، يخرج صوت أنثوي صارخ «عنا حكومة ياي ياي، بتعمل قهوة بتعمل شاي». وقبل أن يرد جمهورها، يطل بائع قهوة وشاي، مردداً «يا سنيورة لا تواجهنا بالشاي بتحرق إيديك». يتهافت كثيرون للشراء منه، وابتساماتهم تسبق النقود. فيما الاستعدادات لم تشمل إعداد الشاي والقهوة، وهي أمور وعد المنظمون بتأمينها انطلاقاً من اليوم.
السبت، الثالثة فجراً، غلب النعاس العسكريين المتمترسين خلف أسلاك شائكة، تفصل بينهم وبين المعتصمين من جهة والسرايا الحكومية من جهة أخرى. لكن ما إن تغلق رموش أحدهم حتى يُفاجأ بهتاف جديد من العشرات الذين بقوا حتى الساعة الخامسة فجراً يرددون الهتافات ضد الرئيس السنيورة ويطالبونه بالاستقالة. ولم يستكينوا ولو لثوانٍ، وخصوصاً أن ثمة مجموعات تناوبت على التمركز قبالة الجيش، للهتاف، وسط انشغال البعض بالاطمئنان عبر العسكريين إذا كان الصوت يصل إلى داخل السرايا.
في نقطتين، نجد صفوفاً طويلة من المواطنين أمام الحمامات التي ركزها حزب الله، وكذلك أمام الخيم «التنظيمية» حيث احتشد كثيرون للحصول على الفرش والبطانيات.
تمر الساعات، يغفو البعض، فيما العشرات من مناصري حركة أمل لم يتعبوا من الركض بين ساحتي الشهداء والصلح، مطالبين بإسقاط الحكومة. يغفو كثيرون، البعض وجد له مكاناً داخل الخيم، كثيرون اضطروا إلى الاستلقاء أرضاً، والبعض وجد له مكاناً تحت الأشجار أو فوق أغصانها. وتتراوح أعمار معظم الذين بقوا بين خمس عشرة وخمس وعشرين سنة. فيما اقتصر عدد الكبار في السن على مجموعة صغيرة، معظمها ينتمي إلى التيار الوطني الحر وعناصر الانضباط في حزب الله. وهؤلاء لم يناموا طوال الليل، وكانوا بحسب قولهم، يحرسون المخيمالسبت، الساعة السادسة صباحاً، يحتفل المخيم بيومه الأول. يستيقظ من غفا على صدى تحركات بائعي الكعك والقهوة الذين توافدوا بالعشرات. هنا وسط بيروت، نجد بائعي الكعك والقهوة، ورجالاً يبيعون أكياساً فيها أنواع متعددة من الفاكهة، بعد أن كان دخول بائعي اليانصيب إلى هذه المنطقة ممنوعاً. هنا، فلترحل سوليدير، يقول بائع الكعك، ويرد زميله «نحن أهل هذه المدينة وأصحابها». ووسط هذه جميعها، بعد دقائق قليلة، يبدو حال أهل المخيم عبر الحماسة والفرح الغاضب، كحالهم عند الساعة الثالثة ظهراً، يوم أول من أمس. هنا، يقول أحد شبان حركة أمل، تولد الثورة، فيردّ أحد العونيين «صح النوم».