strong>يبدو أن مشروع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لا يخلو من بعض النواقص والعيوب التي، بحسب مرجع قانوني دولي، كان من المفترض معالجتها قبل إقرار المشروع


بعد قراءة متأنية لمشروع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان الذي أقرّه «مجلس الوزراء» في اجتماع عقد في 25 تشرين الثاني 2006 الفائت، بغياب ستة وزراء بسبب الاستقالة ووزير الصناعة الذي استشهد قبل الجلسة بأيام قليلة، وضع عدد من الخبراء القانونيين الدوليين بعض الملاحظات المهنية والعملية على المشروع، نستعرض أهمها في هذا النصّ.
يشير الخبراء القانونيون الدوليون إلى ثلاثة نواقص أساسية في مشروع نظام المحكمة الخاصة، هي آلية طعن بالقضاة وآليات إخلاء سبيل الموقوفين والحق في تصحيح الأضرار المعنوية. كما يؤكدون أن المشروع، بصيغته الحالية، يسمح بالتدخلات السياسية، لأن المراجعة تخضع للإرادة السياسية.

  • غياب آلية طعن بالقضاة

    يقول خبراء قانونيون دوليون لـ«الأخبار» إن مشروع المحكمة الدولية الخاصة غاب عنه ذكر آليات تخوّل تنحية القضاة أو الطعن بهم في حال مخالفتهم القانون، وإذا تبين وجود أسباب شك قانونية تتعلق بحيادهم وموضوعيتهم أو نزاهتهم. ويقول الخبراء إن غياب هذه الآليات عن المشروع، يجرّد المحكمة من إحدى الضمانات الأساسية للعدالة، التي تكفلها المعاهدات الدولية. فإذا تبين، بعد تعيين القضاة، وجود سبب شك قانوني بشخص أحدهم، لاقترافه أخطاء خلال العمل، أو لقيامه بأداء يقربه أو يبعده عن جهة معينة، فمن الضروري التمكن من تنحية هذا القاضي أو الطعن به. هذا الإجراء هو ضمانة لحيادية وصلاحية الحكم. ونذكّر هنا، بأن القانون اللبناني يتضمن آلية تنحية القضاة أو الطعن بهم، وبالتالي، فإن عدم تضمين مشروع المحكمة الخاصة هذه الآلية، يتعارض مع القانون المحلّي.

  • غياب آليات إخلاء سبيل الموقوفين

    من الطبيعي أن يكون التوقيف الاحتياطي مؤقتاً كما يؤكد القانون الجزائي اللبناني والدولي. ومن المفترض أن يكون لدى القاضي، الذي يأمر بالحجز، الصلاحية لإنهاء الحجز في أي وقت. لكن المادة 18 من مشروع المحكمة الخاصة تعطي لقاضي ما قبل المحاكمة الحق بإصدار مذكرات توقيف، ولا تعطيه الحق بإصدار قرار إخلاء السبيل. وبالتالي، إذا رأى قاضي ما قبل المحاكمة أن التوقيف الاحتياطي لم يعد له حاجة، يستحيل عليه، قانوناً، أن يصدر قراراً بإخلاء السبيل. كما في حال إحالة الموقوفين على المحكمة، ورأى القاضي أن توقيفهم الاحتياطي غير مبرر، يستحيل عليه إخلاء سبيلهم.

  • خضوع المراجعة للإرادة السياسية

    حددت المادة 21 من المشروع مدة ثلاث سنوات قابلة للتمديد لعمل المحكمة الخاصة. وإن قرار التمديد أو عدمه ليس قراراً قضائياً ولكنه قرار سياسي، يصدر عن جهات دولية كمجلس الأمن وغيره. في حين أن هذه الحالة لها ترددات مباشرة على سبل الطعن بأحكام المحكمة، لأن العمل بالطعن يصبح خاضعاً لإرادات سياسية. وفي هذا الإطار يوضّح الخبراء الدوليون أن أوضاع المحكمة الخاصة أسست خيارين: المراجعة والاستئناف. لكن الوضع الحالي لمشروع المحكمة يلغي حق المراجعة، في حال انتهاء مهلة المحكمة (ثلاث سنوات)، وخاصة أن أي محكمة أخرى، لبنانية أو دولية، غير مخولة إعادة النظر أو مراجعة أحكام المحكمة الخاصة بعد انتهاء صلاحية مهلتها المحددة. إذا افترضنا أن المحكمة الخاصة أصدرت حكماً أولياً وانتهت مهلتها ولم يُجدَّد لها، فسيستحيل على المحكوم استئناف الحكم، لأن حقه بالاستئناف يزول مع انتهاء مهلة المحكمة الخاصة. كذلك يكون الحال إذا ظهرت دلائل جديدة تفرض مراجعة الحكم، فلن تكون أي محكمة أخرى مؤهلة لاستئنافه أو مراجعته.

  • غياب الحق في تصحيح الأضرار المعنوية

    إن من المسلم به أن أحد الضمانات الأساسية لحسن سير العدالة يكمن في مسؤولية القاضي الشخصية عن أخطائه الجسيمة أو الإرادية، كما هي الحال في مسؤولية الدولة التي يصدر القاضي الحكم باسمها، لكي يعوض على الضرر المعنوي الذي قد يتعرض له المحكومون. إن القانون اللبناني يفرض على الدولة تصحيح الأضرار المعنوية الناتجة من أخطاء القاضي، ويحفظ حق تعويض العطل والضرر الذي تكبدته الدولة جراء هذه الأخطاء. لكن مشروع المحكمة الخاصة لم يحدد آلية من هذا النوع، وهذا يحرم المحاكمين حقوقهم ويخفض الضمانات التي كانوا سيحصلون عليها إذا ما حوكموا أمام محاكمهم الوطنية. هذا الوضع أكده الأمين العام للأمم المتحدة السيد كوفي أنان بتاريخ 11 تشرين الثاني 2006 ، مشيراً إلى أن المحكمة الخاصة، التي يجري النظر بنظامها، هي خارج نطاق الجهاز القضائي للأمم المتحدة أو الجهاز القضائي للدولة البنانية، بما أنها ليست محكمة وطنية. فإذا اقترف أحد قضاة المحكمة خطأً جسيماً أو تقصيراً في العدالة أو الاحتيال، أو الفساد، يجد الأشخاص المحكومون أو الموقوفون أنفسهم محرومين من حقهم بطلب تصحيح الأضرار المعنوية الواقعة عليهم، لأن الأمم المتحدة والدولة اللبنانية لا تعتبران مسؤولتين معنوياً عن تصرفات القضاة.
    وفي ضوء ما ذكر، وبعيداً عن التجاذبات السياسية التي ترافق إنشاء المحكمة الخاصة للبنان، تمنى الخبراء الدوليون أن تؤخذ ملاحظاتهم المذكورة بعين الاعتبار، وأن يعدل مشروع نظام المحكمة الخاصة، لأجل ضمان حيادية هذه المحكمة وحسن سيرها من جهة وحقوق المحكومين من جهة أخرى.
    (الأخبار)