جوزف سماحة


تحاول السلطة اللبنانية، في عصر الفضائيات، أن تبث إلى الخارج صورة عن المعارضة تؤكد حرفياً الصورة التي تقدمها عنها الإدارة الأميركية. إنها، أي المعارضة، أقليّة ذات صفاء مذهبي. وهي متآمرة مع محور إقليمي ضد بلدها وأهله وضد «العرب». تغطي الاغتيالات السياسية إن لم تكن شريكة مباشرة فيها. تعطّل أي نهوض اقتصادي للبنان. حتى إذا كان طرف منها، «حزب الله»، لعب دوراً محدوداً في المقاومة فإنه تخلّى عن هذا الدور تماماً وبات منصرفاً إلى دفع البلد نحو الاقتتال.
تعجز هذه الصورة عن الوصول. يبقى محفوراً في ذهن المتلقّي، العربي خصوصاً، الأداء المتميّز في خلال العدوان الإسرائيلي. ويبقى «احتفال النصر» مثار إعجاب لأنه أكد وجود احتضان شعبي لبناني. وتأتي تظاهرة أول من أمس، بحجمها وسلميتها، لتثير نوعاً من الطمأنينة لدى قطاعات عربية واسعة ناجماً عن أن اللبنانيين يبقون عند حسن الظن بهم.
كانت التظاهرة الأخيرة جماهيرية فعلاً و«حضارية» فعلاً. ليس غريباً، والحالة هذه، أن يسارع أصدقاء السلطة اللبنانية، عرباً وأجانب، إلى نصب شبكة أمان لها عبر تكثيف الاتصالات وإصدار المواقف المؤيدة. وشاءت المصادفات أن يتزامن حدثان، التظاهرة واجتماعات عمان، من أجل أن يتصرف «المعتدلون العرب» وراعيهم الأميركي، كأن حلقة من حلقات التحالف تتعرض لتهديد يوجب عليهم الإسراع إلى نجدتها حتى لو أخرجهم ذلك من موقع القدرة على الوساطة وعلى الاحتفاظ بمسافة متساوية من القوى اللبنانية كلها.
العرب عرَبان في التعاطي مع الأزمة اللبنانية. عرب السلطة هم، قطعاً، مع السلطة. لكن حيث السلطة مطعون بها وباستقلاليتها وبقدرتها على إقامة علاقة متكافئة مع «الخارج» فإن «عرب الشعب» يميلون إلى تأييد المعارضة اللبنانية. ينظر هؤلاء إليها فيرون أنها قادرة على تلبية مطلبين قويين عندهم: مقاومة السلطة ومقاومة السياسة الأميركية ـــ الإسرائيلية. نضيف إن هذه النزعة للاستقلال عن الحكم وللاستقلال الوطني مستندة إلى ممارسة ديموقراطية فعلية وإلى احتضان شعبي.
الاعتصام المفتوح الذي دعت إليه المعارضة اللبنانية تجربة ستخضع لمراقبة دقيقة في المنطقة والعالم. لقد نقل المواجهة السياسية المندلعة في لبنان إلى موقع جديد ومتقدم. إلا أن الجديد في ذلك، هو في النزول إلى الشارع في ظرف يعاني تأزّماً داخلياً شديداً، وتحت شعارات توحي بانفتاح الأفق الزمني أمام الصراع. يعني ذلك أن أي خطأ في البداية يمكنه إذا استمر أن يتعاظم تدريجاً لا بل أن يتحوّل، مع الوقت، إلى عبء يثقل كاهل التحرك مع ما يعنيه ذلك من دفع له إلى مسارات لم تكن مقدّرة.
يجب، بادئ ذي بدء، أن تحسن المعارضة قراءة موازين القوى. لا بل أن تقوم بقراءة متشائمة لموازين القوى هذه. سيقود ذلك إلى الاعتراف بأن السلطة في لبنان تملك قاعدة شعبية مؤكدة وراسخة وواسعة. إن حكومة فؤاد السنيورة ليست حكومة معزولة وفاقدة للشرعية الشعبية تماماً. ثم إن وضعيتها الدستورية موضع جدل غير محسوم. يجب أن نزيد على ذلك أن دفاعاتها عن نفسها تمثّل صدقيّة لدى قطاعات لبنانية ترى فيها تعبيراً عن نفسها وعما تراه مصالحها وتطلعاتها.
لا صحّة إطلاقاً للوهم القائل بأن الحكومة ثمرة ناضجة يسهل قطافها. هذا على الصعيد الداخلي. أما عربياً ودولياً فإنها تتمتع بدعم رسمي، وباعتراف، وبحماية وتتفوّق في ذلك على المعارضة.
صحيح أن هذه الحكومة لجأت، في لحظة ارتباك، إلى نوع من التمترس المذهبي لكن نقطة الضعف هذه هي، في الوقت نفسه، نقطة قوة خاصة في جو الاستنفار الفعلي في لبنان، وفي جو الاستقطاب الذي نعرف. إن استدعاء عنصر الحماية هذا له وزن خاص في ظل ما تعيشه المنطقة تحت ضغط الحدث العراقي، وتحت ضغط الإحراجات التي تعانيها أطراف في المعارضة.
يقود هذا التقدير إلى الاستنتاج بأن الممارسات والشعارات يجب أن تكون مدروسة بدقّة. لا مجال، مثلاً، للمحاولة التي جرت في أعقاب التظاهرة وأوحت أن النيّة متّجهة إلى «محاصرة» السرايا. هذا سلوك خاطئ، ومغامر، واستفزازي. ولا ضرورة، أيضاً، إلى تغليب شعار «إسقاط الحكومة» على شعار الدعوة إلى «حكومة وحدة وطنية». ولا مبرر لشخصنة المواجهة أو للتهرّب من تقديم أجوبة واضحة عن قضايا مثارة فعلاً من نوع المحكمة الدولية أو باريس ــ 3 أو مصير القرار 1701.
صحيح أن الحشد كان مقنعاً. وصحيح أن حرب المواقع يمكنها أن تمتد. إلا أن الأصح من ذلك هو أن تنجح المعارضة الممسكة بعصا غليظة في أن تهمس بصوت منخفض. ويعني ذلك، عملياً، التركيز على عنوانين:
أولاً ـــ إن المعارضة هي في موقع دفاعي، وانها تحاول أن ترفع ظلماً، وإنها لا تشكك في تمثيل الآخرين لقواعدهم بل ترفض تشكيكهم فيها. ليس صحيحاً أن المتظاهرين «يحاصرون» السرايا، فالأقرب إلى الصواب هو أن الحكومة المتشكلة، أصلاً، في ظل خلل تكويني يهمّش بيئة واسعة تتماهى مع «التيار الوطني الحر» و«المردة»، مثلاً، أن هذه الحكومة فاقمت الخلل عبر دفع الوزراء الستة إلى الاستقالة. إن المطلب الفعلي للتحرك هو «المشاركة» لا «الإلغاء» والمشاركة تعني امتلاك حق النقض بصفته حقاً يحفظه الدستور وتحفظه تقاليد الحياة السياسية اللبنانية.
ثانياً ـــ إبقاء باب التسوية مفتوحاً باستمرار. لا بل إعمال العقل والخيال في ابتداع صياغات لهذه التسوية النافية لوضعية الغالب والمغلوب. لا أحد يريد استبدال غلبة بغلبة. ولا أحد يعتقد فعلاً (أو ينوي) افتعال انكسار في العلاقات الأهلية اللبنانية. على العكس، إن المشكلة مع السلطة هي في نيتها شبه المعلنة الانبناء على انكسار من هذا النوع.
الاعتصام المفتوح يستدعي سياسة منفتحة ومفتوحة. الاعتصام المفتوح يعني، أو يجب أن يعني، يداً ممدودة إلى طرف لا بد من الشراكة معه ولو في ظل الاختلاف العميق معه لا بل بسبب هذا الاختلاف. وبما أن الاعتصام المفتوح يعني ممارسة شعبية في الشارع، وعلى تماس مع «شوارع» أخرى فإن المطلوب ليس جهازاً حديدياً للانضباط والتنظيم بل، فوق ذلك، تعبئة تُحسن الدمج بين التطلعات المشروعة لجميع اللبنانيين، وتتصرف على قاعدة أن الاعتصام، مهما كان مفتوحاً فلا بد له من خاتمة.