جوزف سماحة


ينشأ تحت أعيننا تلاقٍ من نوع غريب بين «المحافظين الجدد» الأميركيين والمحافظين العرب الذين تفضّل كوندوليزا رايس تسميتهم «المعتدلين العرب».
موضوع التلاقي هو الموقف المشترك والسلبي من تقرير بيكر ــ هاملتون.
التقرير، كما بات معروفاً، يدعو إلى تغيير العلاقة الأميركية بالعراق من الاحتلال إلى الاستتباع ذي البعد العسكري. إلا أن واضعي التقرير يعترفون بأن هذه العملية غير ممكنة من دون إحاطة العراق ببيئة إقليمية مستقرّة بعض الشيء ومتعاونة، ومن هنا الدعوة إلى حوار غير مشروط مع إيران وسوريا وإعادة تحريك مسار التسوية السلميّة.
يتعرّض هذا المنظور لهجوم عنيف من جانب «المحافظين الجدد» الذين يستبسلون لإيجاد مناخ يمنع الإدارة من تبنّي التقرير وتحويله إلى سياسة رسمية. لقد سبق لبعض هؤلاء أن أعلن يأسه من عمل الإدارة في العراق ومن طريقتها في توجيه الحرب. إلا أن هذا الانتقاد جاء من اليمين ودعا إلى المزيد من الاحتلال وإلى المزيد من توسيع الأعمال الحربية ومدّها إلى المحيط الإيراني أولاً والسوري.
الأوصاف التي يطلقها «المحافظون الجدد» على التقرير والمدافعين عنه مقذعة. فهو، في رأيهم، «سخيف»، و«إعلان إفلاس»، و«دعوة إلى المزيد من الإرهاب»، و«الدليل على الإدقاع الفكري». وذهب أحدهم، ماكس بوت، إلى التأسّف على المال الذي أنفق لإنتاجه معتبراً «أنه كان يجدر إنفاق الأموال من أجل أن نحسم مرّة وإلى الأبد كم ملاكاً يمكن لهم الرقص فوق رأس دبّوس؟»!
يرفض هذا التيار، ومعه أوساط في الإدارة وفي الحزبين الديموقراطي والجمهوري، منطق التقرير من أساسه. وبهذا المعنى لا صحّة لأي رابط بين أزمة العراق والصراع في فلسطين، ولا مبرّر إطلاقاً لأي حوار من أي نوع كان مع إيران وسوريا، ولا حلّ للتعثّر الأميركي في العراق إلا بإرسال مزيد من القوات والإيحاء بأن الاحتلال مديد وجعل الانتصار الأفق الوحيد الممكن.
الجديد، منذ الصيف الماضي خصوصاً، أن هذا الموقف الأميركي الأقصى شرع يخاطب توجّهات سياسية لدى بعض الأنظمة العربية التي توصف بـ«المعتدلة». وتعبّر المملكة العربية السعودية عن هذا المنحى بالرغم من كل التحفّظ الذي يسم دبلوماسيتها.
ففي ما يخص الشق العراقي من تقرير بيكر ــ هاملتون تميل الرياض للدعوة إلى بقاء الاحتلال الأميركي خوفاً من الفوضى المحتملة في حال أي انسحاب. وهي تهدد بأن أي انكفاء سيوجد فراغاً ويؤدّي إلى تقاتل ما قد يدفعها إلى التدخل المباشر، لا للتهدئة، بل لنصرة فريق على فريق. وإذا كان مقال شهير لكاتب سعودي شبه رسمي (نواف عبيد) قد أكد هذه الأطروحة، فإن فصله العلني من وظيفته لم يمنع أوساطاً سعودية أخرى من التعبير عن مواقف قريبة.
وفي ما يخص الشق الإقليمي من التقرير نفسه، تبدو المملكة، على رأس «المعتدلين العرب»، سلبية حيال أي حوار أميركي مع كل من سوريا وإيران، مخافة استفادة النظامين المذكورين وتثبيت نفوذهما.
هذا التلاقي بين بعض أميركا وبعض العرب غريب وجديد. فمن المعروف أن «المحافظين الجدد» تولّوا، بعد تفجيرات أيلول، أمر الهجوم على السعودية ومصر بذريعة المساعدة التي تقدّمانها، عبر الضخ الأيديولوجي أو عبر ممارسة نوع ديكتاتوري من السلطة، إلى التطرّف الأصولي الجهادي.
غير أن عناصر التباين تراجعت قليلاً مع ميل الإدارة الأميركية، مدعومة من اليمين الأقصى، إلى تغليب شعار «دعم الاعتدال العربي ولو غير الديموقراطي» على شعار «دعم الديموقراطية حتى لو أدّت إلى تهديد الاعتدال العربي». قطعت الولايات المتحدة ربع الطريق نحو العودة إلى علاقات طبيعية، لا بل جيدة مع «الأصدقاء العرب». وتولّى هؤلاء قطع المسافة الخاصة بهم عبر اعتناقهم لمنظور استراتيجي جديد يرى أن إيران وحلفاءها هم مصدر الخطر الأكبر على المنطقة لا إسرائيل وحلفاؤها.
وإذا كان هذا التقارب قد سمح بالسعي نحو شراكة ما في الموضوع العراقي لا تزال تحت الاختبار، فإنه تحوّل، في لبنان، وبنسبة أقل في فلسطين، إلى تناغم يسمح بتمرين تطبيقي لهذا المعطى الجديد.
حملت الصحف الصادرة أمس تعليقاً لمسؤول أميركي عن التطورات الجارية في لبنان. يقول «إن الحرب بين إسرائيل وحزب الله أحدثت شرخاً بين دول عربية معتدلة ترى أن المصلحة تكمن في تسوية الخلافات بالمفاوضات والطرق السلمية وبين دول وأطراف مثل إيران وسوريا وحزب الله وحماس وغيرهم ممن يستخدمون العنف لوأد أي تقدم لقضية الحرية والديموقراطية في الشرق الأوسط». أضاف المسؤول: «إن هذا الصراع الذي يدور الآن في المنطقة يتجلّى حالياً في شوارع بيروت».
هذه هي النظرة الأميركية (ونظرة بعض الأوروبيين) إلى الأزمة اللبنانية. وهي، إلى حد بعيد، نظرة «المعتدلين العرب» ولو أنهم مضطرون إلى التعتيم عليها جزئياً من أجل الاستمرار في القيام بدور وساطة متناقص النزاهة. وليس سرّاً أن حكومة فؤاد السنيورة هي جزء من هذا المزاج المتشكّل من حلف يجمع أقصى المتطرفين الأميركيين مع أقصى المعتدلين العرب.
إن الحكومة اللبنانية هي، بمعنى ما، وبحدود قدرتها، قوة ضغط على الإدارة الأميركية، ومن على يمينها، من أجل أن تتبع أسوأ السياسات في المنطقة وفي العراق. فهذه الحكومة تستمد بعض قوتها من استمرار الاحتلال الأميركي في العراق، ومن استمرار سياسة واشنطن الحالية تجاه دول إقليمية. يقود ذلك إلى الاستنتاج أن السلطة اللبنانية تربط نجاحها بالإصرار الأميركي على التمادي في الأخطاء التي حوّلت العراق حطاماً وتهدد المنطقة العربية كلها.
ثمة مشكلة ما بين فؤاد السنيورة و... جيمس بيكر، أي بين رئيس حكومتنا وأكثرية الشعب الأميركي. أي بين من يحكمنا بتأييد «المعتدلين» وواقعية أميركية تسعى إلى استعادة نفوذها.