غسان سعود


يجتمع جهاد وأصدقاؤه «المثقفون» في مكتب يُطلَّ على ساحة الشهداء، يشير أحدهم إلى الساحة، ويقول «لقد غيروا كل المعالم». يتدخل آخر، يهز رأسه مؤكداً تحويل المعتصمين الحدائق إلى بورٍ، ومواقف السيارات الى أرض خربة، والساحات إلى مرتع لزمر المتبطّلين، والأرصفة إلى مقاه شعبية.
جهاد لم يزر الساحتين، على عكس أصدقائه، لكنه يؤكد أن المعتصمين شوهوا جدران وسط بيروت وواجهات محالّه بالشعارات والخربشات دون مراعاة للنظافة. يوافقه الآخرون ويجزم أحدهم بأن المعتصمين «الوسخين»، شوهوا الوجه الحضاري لبيروت وأعطوا انطباعاً أن اللبنانيين شعب جاهل، متوحش، وسخ. هكذا يرى جهاد وأصدقاؤه النخبويون، أهل الخيم. وهم لا يترددون في الدعوة إلى إغراق المعتصمين والمؤيدين لهم في البحر حتى ولو زاد عددهم عن المليونين، فهم كميّة تعرقل رفاهية النوعيّة.
بعيداً عن جهاد وأصدقائه، كانت الساحتان أمس تنفضان غبار الأيام السبعة عشر، وتستعدان للأعياد. في ساحة الشهداء غابت الأغاني السياسية مفسحة المجال، ليكتمل مشهد العيد. فعلت أغاني الميلاد، بالفرنسية والإنكليزية، وحتى بالإسبانية تلبية لرغبة خمسة إسبانيين شاركوا المعتصمين أمس حرية التعبير عن الرأيالزينة توزعت في كل الاتجاهات، من السياج الحدودي الفاصل بين المعتصمين المعارضين والسلطة المتمركزة في السرايا الحكومية، والذي زنّر بالورد والشمع والأعلام اللبنانية. حتى شجرة العيد الرئيسية في ساحة الشهداء، والتي استغرق العمل فيها أكثر من ثماني ساعات، وبلغ طولها 18 متراً، وزينت بأكثر من ألفي كرة ذهبية. وبينما كان العونيون والمردة مشغولين بتحضير الشجرة، كانت ساحة رياض الصلح تحتضن الآلاف الذين تجمهروا أمام المنصة، التي أطلَّ فوقها عضو الحزب الديمقراطي اللبناني محمد المهقار الذي ألقى كلمة باسم المنظمات الطالبية المعارضة قال فيها: «إن الحكومة لا توصف إلا بأنها حكومة الشاي في مرجعيون، والقُبل الحارّة مع رايس، واستنجاد الدعم الخارجي للاستقواء على الشعب. حكومة إدمان الفيتامينات من الخارج بما فيه إسرائيل».
ثم كانت كلمة للتيار الوطني الحر، ألقاها ابن فتوح كسروان نعمان مراد، قال فيها : «إن التيار احترف المعارضة منذ كانت جرماً يحرك النيابات العامّة ويزج في السجون»، مؤكداً «أن التيار كان يقاوم يوم كان البعض يفرش السجاد الأحمر ويهدي مفتاح بيروت إلى رجال الاحتلال». وقال : «إن الفريق الحاكم ولد في حاضنة سوريا ورعاية مخابراتها، والآن يتسابقون في شتمها والعداء لنظامها، ويزايدون على من دفع الدماء والدموع والقمع والنفي ثمناً لإخراجها من لبنان». وبعده، كانت كلمة كتلة الوفاء للمقاومة ألقاها النائب نوّار الساحلي الذي أكد «أن المشكلة في لبنان سياسية لا طائفية أو مذهبية». وتساءل «أين الانقلاب في المطالبة بحكومة وفاق وطني بالرغم من استبداد الفريق الحاكم». مشيرا الى «أن كل الأنظمة الديموقراطية تعمد عند اشتداد الأزمة السياسية إلى تأليف حكومة ائتلاف أو تُجرى انتخابات مُبكرة». ورأى أن النائب وليد جنبلاط تكلم على الأحزاب الشمولية «وهو أكبر شمولي وإقطاعي». وتابع: « يتكلمون عن الحرية ويمنعون رجال الدين من ممارسة مهماتهم الدينية». ونوّه بـ«القائد المقاوم العماد ميشال عون».
من جهة أخرى، طغى كلام البطريرك الماروني نصر الله صفير خلال عظة الأحد، على أحاديث المعتصمين. واستغرب البعض أن يقول البطريرك ما يقوله منذ بدء الاعتصام مقابل عدم تعليقه على اعتصام السنة الماضية. فيما طلب البعض أن يعطي صفير تعليماته إلى الإرساليات المسيحية التعليمية لتعيد الفصل الجنسي بين الطلاب في المدارس والجامعات، حتى لا «ينال العائلة سوء من التجمعات المختلطة، غير المنضبطة». فيما دعا آخرون إلى النظر بإيجابية إلى كلام البطريرك من حيث توافق رؤيته وحزب الله، الذي كان يعاني آراءً قاسية جراء فصله بين الذكور والإناث في التظاهرات. أما أمين سر التيار الوطني الحر أنطوان مخيبر فرأى أن كلام البطريرك حمل إهانة للمعتصمين. وأسف لبنائه عظته على أخبار غير صحيحة.
وكشف أحد المنظمين أن الأعياد ستأخذ حيزاً مهماً من برنامج الأسبوعين المقبلين. وتقرر إقامة قداس ليلة الميلاد في خيمة ساحة الشهداء. أما يوم العيد، فستتصل الساحتان عبر مئة قالب حلوى.
والجديد أمس رفع «أبناء الكحالة» صورة ضخمة لداني شمعون. وتحوّل بعض الخيم إلى «هايد بارك» يكتب عليه المعتصمون شعاراتهم المفضلّة. أما لجنة المهنيات في التيار الوطني الحر فافتتحت «صالوناً» لاستقبال الضيوف بعد أن قررت تنظيم أمسيات حواريّة كل ليلة.