جوزف سماحة


الخارج يقرّر عنّا ولنا. مصائرنا مرهونة، بالكامل، لمصالحه. نعاني انكشافاً قلّ نظيره في التاريخ الحديث. علينا أن نرجع، ربما، إلى بدايات القرن الماضي لنلاحظ وجود حالة شبيهة. يريد هذا الخارج للحكومة اللبنانية أن تبقى. يريد للحكومة الفلسطينية أن تسقط. يريد للحكومة العراقية أن تعدّل سياستها. لا وجود لأي توسّط إقليمي بين هذا الخارج وبين الحالات الوطنية المشار إليها. وإذا كان من توسّط تقوم به دول عربية مستقرّة فهو لا يعدو كونه شكلاً من أشكال نقل الرغبات الخارجية وإيصالها إلى حيث يجب والمساعدة على تحقيقها.
المشهد الذي يرتسم أمامنا محزن.
أولاً ـــ ثمة حكومات وسلطات لا همّ لها سوى احترام ما تسمّيه «المجتمع الدولي» والخضوع لقراراته، واعتبار توجّهاته برنامجاً للعمل الداخلي ولممارسة السيادة (!)، والسعي إلى حشد القوى الوطنية الداخلية من أجل الاندراج في سياقه. الأسماء المعطاة لهذه السياسات ذات دلالة. إنها، في لبنان، «المحكمة الدولية و1701 وباريس ـــ 3»، وهي، في فلسطين، «حكومة رفع الحصار الدولي»، وهي، في العراق، «التأقلم مع حاجات الاحتلال».
ثانياً ـــ ليست هذه الحكومات والسلطات معدومة السند الشعبي الجديّ. على العكس. للحكومة اللبنانية جمهور داعم ومعبّأ. للسلطة الوطنية الفلسطينية الممثلة بمحمود عباس قاعدة وازنة. لدعاة التكيّف مع الاحتلال الأميركي في العراق احتضان واسع. أكثر من ذلك. هذه هيئات رسمية وصلت إلى الحكم عبر اقتراع شعبي. ثمة شوائب على النتيجة طبعاً. ففي لبنان حصل انقلاب على «الائتلاف الرباعي»، وفي فلسطين وازن فوز «حماس» فوز عباس. وفي العراق لم تستكمل إعادة تركيب أكثرية مخالفة لما أراد الناخبون قوله. ولكن الحقيقة الماثلة تقول إن «ظلال الشك» هذه لا تلغي وجود ميل قاعدي للاستقواء بالخارج ولإبداء الاستعداد للتجاوب مع إملاءاته.
ثالثاً ـــ الذريعة القائلة بوجوب عدم القطيعة مع ما يسمّى «المجتمع الدولي» وجيهة. إلا أن المشكلة تبقى قائمة، وهي قائمة فعلاً في هذا «المجتمع الدولي» الذي يطالبنا بطاعته. فهو ليس متوازناً ولا عادلاً. لقد انشقّ في ما يخص حرب العراق وأظهر تباينات في ما يخص فلسطين. إلا أنه أعاد تنظيم تلاقيه عند نقطة بعيدة عن الحد الأدنى من الطموحات العربية المشروعة. إنه «مجتمع دولي» يرفض الهزيمة الأميركية في العراق، ويخشى آثارها، ويعتبر أن «التطرّف» في المنطقة هو أصل المشاكل. ويمكننا أن نلاحظ، هذه الأيام، أن هذا «المجتمع» بدأ يتقبّل الأطروحة القائلة بأن شرط معالجة الأزمات في المنطقة هو التظاهر، التظاهر فقط، بتحريك التسوية الفلسطينية ـــ الإسرائيلية.
رابعاً ـــ إن «العودة» إلى هذا الاكتشاف تؤكد الكثير من المخاوف. فتحريك التسوية المشار إليها محكوم، في رأي هذا الخارج، بممر إجباري هو دفع الفلسطينيين نحو الاقتتال. ويمكننا أن نسجل أن هدفاً مركزياً من أهداف هذا الخارج، أو، لنقل، نتيجة حتمية من نتائج الانصياع لسياسته هو نقل مراكز العنف إلى الداخل وتغيير خطوط الانقسام والمواجهة من أجل أن تشطر كل بلد معنيّ. «الاستقرار» اللبناني، «التسوية الموعودة» في فلسطين واجهتان لفتنة داخلية يمكن الانزلاق إليها. وبما أن العراق وضعت قدمه في الفتنة فلقد بات ممكناً الاكتفاء بتنظيم معسكري الاقتتال بما ينشئ تحالفاً أقرب إلى مهادنة الاحتلال وأقدر على الإمساك بالمبادرة.
خامساً ـــ ليس من المتوقع أن يُحدث تقرير بيكر ـــ هاملتون أي تعديل سريع في السياسة الأميركية الإجمالية. لذلك أقدم جورج بوش على تأخير خطابه الاستراتيجي. ولذلك أغرق التقرير بعدد وافر من الدراسات والاقتراحات الأخرى. يمكن القول، اليوم، إن النتيجة الأبرز لـ«بيكر ـــ هاملتون» هي تثبيت الفكرة القائلة بضرورة تغيير الاستراتيجية الأميركية، ولكن المجال مفتوح تماماً لتغيير لا يأخذ بالتوصيات التنفيذية، أو لا يأخذ بها كلها، أو يقدم على مخالفتها تماماً. وهكذا بدل الحوار مع «جيش المهدي»، كما هو مقترح، قد تحصل مواجهة. وبدل السعي إلى حوار مباشر مع سوريا وإيران قد يحصل تصعيد. وبدل إحاطة العراق ببيئة إقليمية متعاونة قد تجري محاولة لحماية الساحة العراقية بتشديد الضغط على جيران محدّدين.
سادساً ـــ لا تبدو التسوية الشاملة ماثلة في الأفق كما يريد الواقعيون الأميركيون. على العكس، إن الأكثر وروداً هو تعطيل هذه التسوية عبر رفض العروض السورية، والاكتفاء بإنعاش شكلي للمسار الفلسطيني. وهنا، أيضاً، لن يصل هذا الإنعاش إلى أكثر من إعادة التلويح بالحلول المؤقتة وبالخطوات الجزئية.
سابعاً ـــ لن يكون سهلاً، في مثل هذه الأجواء، توقّع مخارج عادلة للأزمة اللبنانية. فالتناقض كبير بين ضرورات الالتزام بالبرنامج الدولي حيال المنطقة ولبنان، وموجبات التسوية الداخلية المتوازنة.
***
ملاحظة: ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان عباس زكي مُطالَب بتوضيح. لقد حضر، يوم السبت الفائت، الاجتماع الذي ضم وفد «الاشتراكية الدولية» وقادة «حركة 14 آذار». والمعروف أن الاجتماع سياسي وفئوي وشهد هجوماً، صائباً أو خاطئاً، من فريق لبناني على فريق آخر. لا بل شهد إلقاء كلمات هي الأعنف في حق أحزاب لبنانية ليس معروفاً عن بعضها أيّ عداء للشعب الفلسطيني وقضيته.
إن إبقاء الموقف الفلسطيني الرسمي على الحياد في لبنان يتعارض مع هذا الحضور مهما كانت المبرّرات.
ونلاحظ، في هذا المجال، أن محمود عباس قال في كلمته يوم الأحد «إننا نعاني بصراحة من موقفنا من أيام حرب لبنان، نعاني لأننا أخذنا موقفاً... لا يجوز أن نقول إننا مع هذا أو ذاك». يلوم أبو مازن «حماس» لأنها أيّدت المقاومة اللبنانية ضد إسرائيل، فهل يعقل أن يدعو رئيس السلطة الوطنية إلى «الحياد» في حرب إسرائيل على لبنان وأن يغادر عباس زكي هذا الحياد بين الفئات اللبنانية؟