li>حاوره فداء عيتاني


مقر الحزب الشيوعي اليوم متواضع مقارنة بما كانه في أزمنة أخرى، الإجراءات الأمنية صفر، يفتح الأمين العام للحزب الدكتور خالد حداده باب مكتبه للضيوف، أو يدخل الرفاق الى الأمين العام من دون مواعيد، حدادة ربما كان آخر الحمر الذين يحاولون الجمع بين ماضي اليسار في لبنان وانعكاس الانتصار الهائل لليمين على مدار الكوكب في البلد الصغير

  • حين نتحدث عن اليسار فعن أي قوى نتحدث؟
    - في لبنان هناك مفهوم أوسع لليسار مقارنة بالمفهوم العالمي، إذ له علاقة بطبيعة النظام اللبناني وبنيته، ونحتاج الى وقت وجهد كبيرين للتفريق بين العلماني واليساري، وهناك خلط كبير بين مفهومي العلمانية واليسارية، وهو خلط حميد. إضافة الى القضية الوطنية.

  • التي تختصر اليوم بأي شعار؟
    - تختصر بصراعنا مع العدو الإسرائيلي وبالتالي مع المشروع الأميركي في المنطقة، وخصوصاً أن اسرائيل تتحول اكثر فأكثر لتبرر دورها ووجودها كأداة لهذا المشروع. والقضية الوطنية بالتأكيد لها البعد الاستقلالي السيادي، بمعناه الطارح لعروبة وطنية ديموقراطية جديدة، ودعنا نقول إن المشاريع التي يطرحها الأميركي في المنطقة تستهدف الكيانات الوطنية، والحفاظ على هذه الكيانات الوطنية بالحد الأدنى أصبح ضرورة لتطوير أي اتجاه لعالم عربي مختلف في مرحلة لاحقة.

  • بتعريفك لليسار ضممت من «حزب الله» الى «التيار الوطني الحر»؟
    - لا. إن ما كان يخلق الالتباس أن الحركة اليسارية العالمية كانت تعطي دائماً بعداً من هذه الأبعاد أولوية مطلقة، بحيث إن فهم اليسار يتوسع ويضم قوى أخرى. وفي الفترة الأخيرة على سبيل المثال أعطي التغيير الديموقراطي أولوية، حتى بمفاهيمه الملتبسة التي يطرحها البعض، مما يعطي القوى النيو ليبرالية المنخرطة في المشروع الاميركي صفة الوطنية وقيادة المرحلة الوطنية، كما حصل في بعض التفسير اليساري لثورة الارز وغيرها، مما حوّل أقصى ممثلي اليمين اللبناني على المستويين الاجتماعي والوطني والديموقراطي الى قيادات للعمل الوطني.

  • ولكن من هنا شعارك ليس بعيداً عن شعارات 14 آذار؟
    - شعارنا يخلط الأبعاد الثلاثة، ويدمجها بأولويات ليست متباعدة. وما نقوله إن التغيير الديموقراطي والمسألة الوطنية مترابطان الى حد كبير، بمعنى أنه لم يعد هناك من إمكان للوثوق بمشروع مواجه لإسرائيل واميركا من دون أن يرتكز على حياة ديموقراطية في الداخل، والبعد الثالث أي التغيير الاجتماعي. نحن نقول إن مفهوم اليسار له هذه الأبعاد الثلاثة: البعد الوطني والبعد السياسي التغييري والبعد الاجتماعي، أي الانحياز الى الفئات الشعبية، وهو البعد الذي يحاول البعض إضعاف تأثيره، ونحن نعطي هذه الأبعاد صفة التلازم، لانه لا يمكن اليوم أن يجمد اليساري مسألة الصراع مع المشروع الأميركي الإسرائيلي ويعتبرها ثانوية لصالح أولويات محقة، ولكنها ليست وحيدة وغير معزولة عن باقي الأولويات. كما لا يمكنه إهمال الضمانات الاجتماعية لفقراء لبنان والذهاب الى محاربة اسرائيل، وهذا اكثر وقت تتلازم فيه العوامل الثلاثة وبالنسبة الينا فهي اليوم تحدد مفهوم اليسار.

  • عملياً على أرض الواقع من هي القوى التي ترى الربط نفسه اليوم؟
    - حين طرحنا المبادرة لم نقدم دعوة الى اجتماع، وكانت قوى اليسار تحمّلنا مسؤولية، وهي على حق، بأننا لا نلعب دورنا الأساسي في إعادة تجميع اليسار. ونظرياً الحزب حدد في مؤتمره السادس هذه المهمة كمهمة أساسية، ونظراً الى التطورات التي حصلت في العالم والمنطقة ولبنان، لم يبذل الحزب الجهد الكافي لهذه المهمة، وما قمنا به في عيد الحزب الـ82 أننا حددنا نقطتين: الأولى هي أننا نتحمل مسؤولية في هذا الإطار وقررنا بذل الجهد، والثانية أننا حددنا وقتاً للضغط على الذات. والدعوة كانت إطلاق إشارة للتداعي، فليس هناك لجنة تحضيرية وليس هناك حزب صاحب دعوة، بل مجرد إشارة الى أن الوضع اللبناني والانقسامات السياسية الطائفية في البلد تستدعي أن تقوم قوى اليسار، رغم تواضع حجمها، بتحمل مسؤوليتها التاريخية، لتأمين مكان للشباب الذين يرغبون في ترك مواقعهم الطائفية للعمل من ضمنه، وليس بالضرورة أن يكون المكان هو الحزب الشيوعي.

  • تفكرون في إطار محايد لليسار؟
    - لم نحدد الأمر، قلنا إنه يجب أن نتداعى، ولم نترك الأمر على غاربه، وأحياناً نقوم باتصالات تذكيرية مع القوى واليساريين لتأكيد الموعد المبدئي في العشرينيّات من الشهر الحالي، وكل من يعتقد أنه يساري على أساس البديهيات الثلاث، وإن اختلف معنا في تقدير هذه الأولويات، فيجب أن يكون داعياً، ولا نستثني أحداً. التروتسكيون، منظمة العمل الشيوعي، المنبر الديموقراطي، حركة الشعب، اليسار الديموقراطي...

  • ما هو موقفكم اليوم من اليسار الديموقراطي؟
    - نحن لا نقدم دعوات، وحين يتحدد الموعد فيحق لليسار الديموقراطي أن يدعو الى المشاركة، وكل من يعتقد نفسه مؤمناً بهذه البديهيات الثلاث المحددة لليسار، يصبح من حقه الدعوة.

  • الحزب التقدمي الاشتراكي مثلاً؟
    - لا، أنا قلت إن هذا الحزب بقيادة كمال جنبلاط وبنيته ومشروعه، كان يطرح نفسه كحزب يساري ديموقراطي، وعلى هذا الأساس كان جزءاً من الحركة الاشتراكية في العالم، لكن اليوم هذا الحزب وبدل أن يسهم في تغيير الواقع اللبناني خضع له، وأصبح يمثل فئة طائفية غالبة ويحمل مشروعها.
    لكن في إطار آخر نحن نقول إن الشيوعيين الذين خرجوا من الحزب لأسباب مختلفة يمكنهم أن يعتبروا أنفسهم من الداعين، ونحن سنحافظ على شروط الانتماء الى الحزب، لكننا لن نحدد ما هي شروط الانتماء الى هذا اليسار الواسعli> ألا تعتقد أنه أحد أشكال التسويات مع الواقع في محاولة لتجميع صفوف وتشكيل وزن سياسي فاعل، وبالتالي أنتم أيضاً تخضعون لشروط الواقع بدل تغييره؟
    - هذه ليست نهاية المطاف، ونحن لا نقصر في الجهات الأخرى، وعلاقاتنا وسعينا الى تحالفات واسعة على أساس القضية الوطنية والمقاومة لا نقصّر فيها، ونحن ندافع عن علاقتنا بـ«حزب الله» لإيماننا بهذه العلاقة مع المقاومة ونرى أن هذه العلاقة واجبة على الشيوعيين، وحددنا أنه من المستحيل اعتبارها علاقة تبعية، وعلاقتنا مع «التيار الوطني الحر» أيضاً هي علاقة ندافع عنها في إطار ما يطرحه «التيار» من شعارات ديموقراطية، ونخشى عليه من التحول الى الموقع الآخر وقد أبلغناه هذه الخشية، نحن لدينا ثقة بمجموعة واسعة من شباب «التيار» الذين انضموا اليه لهربهم من المنطق الطائفي، ولا نريد لهم العودة اليه. ولا نقصر في علاقاتنا بالرئيس سليم الحص وقوى أخرى، بما في ذلك قوى من 14 اذار، وحاولنا الالتقاء برئيس الوزراء، لكن يبدو أنه كان مشغولاً باللقاء مع مجموعة من المخاتير أو زوار آخرين، ويبدو أنه ليس لديه وقت لحزبنا.
    المهم اذا استطاع اليسار التوحد والانطلاق بمشروعه الخاص الوطني الديموقراطي الاجتماعي، يصبح دوره أفعل في تحديد الوجهة.
    وأتذكر هنا مقالة للشهيد سمير قصير حين تحدث عن ضرورة الانتفاضة على الانتفاضة قبل انتصار الانتفاضة، وكان سبّاقاً في رؤيته لإمكان أن يبتلع الغول الطائفي أي تحولات ذات طابع ديموقراطي، وهو ما منعنا من الدخول الى «لقاء البريستول»، رغم أننا كنا على أرضية واحدة مع بعض شعارات 14 اذار، لكن عندما اقتنعنا بأن القوى الاساسية في «البريستول» لا تضع نصب أعينها مرحلة انتقالية في اتجاه إصلاح حقيقي في البلد، ورأينا أنها عبارة عن محاولة إعادة المحاصصة برعاية أميركية، امتنعنا. واليوم نقول لمن تعاونّا معهم في إطار المقاومة إننا أمام مرحلة جديدة قد تضيع، وهذا الانتصار في الجنوب يمكن الغول الطائفي أن يأكله ويحوله الى هزيمة، فانتصار عام 2000 ضاع في انتخابات عام 2005 تدريجاً.

  • يقال إن ثمة مشاكل تواجهكم، لجهة الصدقية، والرؤية النظرية والسياسية للواقع اللبناني، والتعامل المباشر مع أرض لا يراها اليسار الا كما يشتهي، الى مشاكل الانشقاق؟
    - كلمة انشقاق هي كلمة كبيرة، هناك إحباطات ونوع من الخروج من الحزب، لا نلوم من خرج ورحل من دون مشكلات، لكن هناك جانب آخر هو جانب النمو، فإذا كنت تراقب نشاطات الحزب وتحركاته تلاحظ أن 80 % من المشاركين هم من الشباب، علماً أن هؤلاء لم يأتوا الى الحزب بالوراثة.li>أعلى طريقة زياد الرحباني «الذين خرجوا كان يجب أن يخرجوا»؟
    - زياد فُهٍم خطأً.هو قصد نوعية معينة من الأشخاص. المحاولة اليوم للقول إذا كان هناك عائق في الآليات والتنظيم الحزبي أو عند أي حزب يساري آخر، فلنُقم إطاراً يسارياً طوعياً بدون قيود تنظيمية. لا يصبح الحزب حزباً بدون بعض القيود الفكرية والسياسية والتنظيمية، هذه القيود تبقى موجودة لكن في الاتحاد الطوعي تضحي القيود أقل بكثير، والأهم أن يتفق الإطار على مشروع حد أدنى.

  • هل تخليتم عن المقاومة لأسباب قلتم إنها مالية وسياسية؟
    - نحن لم نتخلّ عن المقاومة، فآخر شهيد للحزب بيار ابو جودة سقط في التسعينيّات. حتى إن استشهاد الرفاق في صريفا والجمالية أتى في إطار سعي الى المقاومة، ولكن طبيعة المعركة لم تُتح هذا. الرغبة والقرار موجودان.
    الحزب في جانب من الجوانب مُنع عام 1982، لكن وقتئذ كان السلاح لا يزال موجوداً والعلاقة مع المقاومة الفلسطينية موجودة، وحتى الإمدادات المالية. وهناك عامل من جانب سوريا وقوى طائفية ومذهبية في البلد، وهو الإحباط، لأن مشروع المقاومة تحول عن ما كان عليه. فتاريخياً كانت المقاومة لا تعزل التحرير الوطني عن التغيير الديموقراطي في الداخل، وهذا المشروع انتكس لصالح مفهوم آخر للمقاومة، له طابع تحريري جهادي لا نستطيع إلا أن نحترمه، لكنه ليس مرتبطاً بمفهومنا لدور المقاومة. عدا عن الإحباط العام بمعنى الانهيارات في العالم ووضعية الحزب الداخلية. لكن لم يكن هناك قرار سياسي بإنهاء دور المقاومة.

  • كيف ستبنون كيسار صدقية مع اليساريين؟
    - أول شرط هو إتاحة المجال أن نناقش آراءنا بصراحة وحرية. ثانياً تجديد الآليات واستكمالها. أنا في رأيي أن هذا اليسار يجب أن ينزل الى الشارع لأجل القضايا الاقتصادية والاجتماعية. لا يمكننا كحزب شيوعي أن نشارك في تحركات شعبية واسعة سقفها إعادة تجديد الطبقة السياسية أو وضع مرهم لها. من حق المعارضة أن تعمل لإسقاط الحكومة، لكن في رأينا هذه الحكومة ساقطة أصلاً قبل 12 تموز. وليس مقبولاً أن تذهب في اتجاه إعادة تكوين حصص التقاسم الطائفي رغم حق الآخرين. وهنا أتوجه الى اليسار الذي يرد علينا بالقول إن هذه تركيبة البلد الطائفية، لأقول: أنا لا أطلب من القوى الطائفية أن تكون علمانية ديموقراطية، ولكن أقل الإيمان ألاّ يتحول من يدعي اليسار الى جندي في يد القوى الطائفية على حساب اقتناعاته، وأنا من موقعي كعلماني أرى هذا التنوع والتعدد الطائفي، ولكن أحاول أن أغيره بمراكمة ميزان قوى. وهذا ممكن، كون التجربة ليست بعيدة عنا، الى أن تحصل خيبات لدى القوى الطائفية بقياداتها ومسؤوليها فتتحول الى داعم لهذه التحركات.

  • بماذا يحلم الأمين العام؟
    - عندي ثقة بأن اليسار سيصبح قوة بديلة وكاسحة للطوائف، وعندي ثقة بأن مرحلة انحدار اليسار، بما فيها فترة انحدار الحزب توقفت.

  • لايزال اليسار يشكل البديل؟
    - في لبنان خاصة لا يمكن تغييرالواقع وإيجاد ضمانات للشباب وبناء الوطن من دون اليسار. اعادة تكوين الوطن واعادة إعطاء مشروعية لكيانه غير المتناقض مع البعد العربي والمكمل له، والذي يعطيه مثالاً جديداً، لا يمكن ان يكون إلا عبر اليسار، وإلا فالفدراليات والتفتيت.




    «لم ندع الى لقاء اليساريين إلا لإطلاق إشارة، كل من يعتقد بتلازم التغيير الديموقراطي والمسألة الوطنية والقضية الاجتماعية، عليه ان يتولى الدعوة معنا»، يقول خالد حدادة، وهو يزين مكتبه بمخلفات اسرائيلية من مارون الراس، تضم في ما تضم جزءاً من جنزير دبابة، وبندقية كلاشنيكوف محطمة، كانت للشهيد أحمد نجدة

  • تصوير بلال جاويش