جوزف سماحة


ألحق الناخبون الأميركيون هزيمة مريرة بجورج بوش. أراد للانتخابات النصفية أن تكون استفتاءً على سياسته العراقية، خلافاً لرأي جمهوريين كثيرين. حصل الاستفتاء. النتيجة حاسمة: رفضٌ كثيفٌ وعارم. لقد أسقطت صناديق الاقتراع الأميركية نهج الاحتلال.
يجب الاعتراف بأن ذلك ما كان ليحصل لولا الأجواء العامة في الولايات المتحدة. فبوش الذي حكم ولاية أولى من دون أكثرية شعبية ظن، عند فوزه بولاية ثانية، أنه بات يملك رصيداً سياسياً يودّ إنفاقه. لقد أنفقه في أقل من سنة إلى أن جاءت الانتخابات النصفية لتؤكد أنه في حالة إفلاس.
تواترت عناصر كثيرة لجعل الهزيمة مدوّية. فضائح شخصية ومالية عديدة. قضمٌ مستمر للحريات. الفشل في كاترينا. سقوط معركة الضمان. الرغبة المعلنة في الاستئثار بالسلطة. تقليص الشفافية. الفساد. السياسة الشديدة الانحياز اجتماعياً والمحافظة دينياً إلى حد مَرَضي. السعي الدؤوب إلى إضعاف سلطات الكونغرس. الكذب. الكذب. الكذب. الإنكار الفضائحي للواقع. عزلة أميركا الدولية. سياسة الإدمان النفطي. العداء المنهجي للبيئة. العجوزات الضخمة في الميزانية والميزان التجاري. الاختيارات للمحكمة الفدرالية العليا. العجرفة. غوانتانامو. أبو غريب. السجون السرية وتهريب السجناء والسماح بالتعذيب. توتير العلاقة مع أصدقاء وحلفاء. زيادة الكراهية لأميركا في العالم وفي دول حليفة تاريخياً لها. إلخ...
غير أن هذه العناصر في كفّة والفشل العراقي في كفّة. إن ما سمّته كوندوليزا رايس، ذات مرّة، «آلاف الأخطاء التكتيكية»، تحوّل في الوعي الأميركي، أو وعي أكثرية الأميركيين، إلى «فياسكو» (عنوان لكتاب نقدي للإدارة) هائل يستنزف أميركا بشرياً واقتصادياً وسياسياً ويُنزل دماراً هائلاً بالعراقيين من دون أن يكون مفتوحاً على أي حل ممكن.
لقد استفزت جوانب في سياسات بوش أرثوذكسيي اليمين الاقتصادي، واستفزت جوانب أخرى المحافظين المتدينين. وتكفّلت جوانب أخيرة بإبعاد الواقعيين. وشرع التسرّب يصيب عدداً من عُتاة اليمين الوطني، ووصل، قبل شهور، إلى حد إثارة الشكوك لدى «محافظين جدد». من المبكر، ربما، الحديث عن انهيار الائتلافات التي برع كارل روف في صياغتها. ولكن من الممكن القول إن المزاج العام كبح توجّهات كان يُراد لها أن تبقى في موقع الهيمنة على الحياة الأميركية العامة لأجيال وأجيال.
تشير استقصاءات الرأي الأوليّة إلى أن نسبة عالية من الذين اقترعوا إنما فعلوا ذلك ضد بوش شخصياً. طبيعي أن يقدم ديموقراطيون على ذلك ولكن الواضح أن العدوى انتقلت إلى ناخبي الوسط وإلى ناخبين جمهوريين. ومع أن «الحزب الحاكم» حاول التبرّؤ من الرئيس، فإن بوش «نجح» في أن يجرّ حزبه معه إلى الهاوية مستعيناً على ذلك بانطباع عام يقول إن هذا الكونغرس قد يكون الأسوأ منذ عقود، وإنه الأسوأ، بالضبط، لأنه تخلّى عن دوره الرقابي وعن موازنة السلطات.
القصد مما تقدّم أن نتيجة الانتخابات سلبية بمعنى ما. أي إن المواطنين لم يقترعوا لبديل واضح ومتماسك للسياسة المتّبعة. ولقد حصل ذلك، بالضبط، لأن الحزب الديموقراطي بعيد عن أن يمثّل بديلاً من هذا النوع. إنه حزب عاش على الهامش لسنوات، وسمح لتيارات عديدة بأن تخترقه، ولم يبلور نهجاً واحداً في الموضوع العراقي ولا في غيره. لقد أُهدي الانتصار إهداءً وبات، فجأة، أمام مسؤوليات قد لا يكون مستعداً لها.
من المبكر تقدير التحوّلات التي ستعرفها السياسة الأميركية داخلياً وخارجياً. فصلاحيات الرئيس كبيرة وهو يملك هامش مناورة لأنه غير مرشّح في 2008 ولأن نائبه ديك تشيني غير مرشّح أيضاً. إلا أن هامش المناورة هذا سيضيق، وخاصة إذا عجز بوش عن التأقلم مع المعطى السياسي الجديد، وإذا قرّر الجمهوريون فتح الملفات المحرجة التي يرون أنها تساعدهم في معاركهم الانتخابية القادمة وهي ملفات عديدة.
لقد كان لافتاً أن نانسي بيلوسي، الرئيسة الجديدة لمجلس النواب، دعت، في ما يخص العراق، إلى «عدم الاستمرار في هذا النهج الكارثي»، وأسندت ذلك إلى أن الشعب الأميركي كان واضحاً في طلبه هذا. التغيير قادم في العراق إذاً، ولو أنه سيكون بطيئاً وقد لا ينعكس على علاقة واشنطن بملفات أخرى من نوع الملف الفلسطيني مثلاً.
من المقدّر أن أكثرية ساحقة من سكان المعمورة تنفّست الصعداء مع أخبار الصفعة الموجّهة إلى جورج بوش. وهذه الأكثرية مدينة للمقاومات العربية والإسلامية التي أفشلت السياسة الأميركية في المنطقة ولو بثمن فادح جداً ودموي جداً وتدميري جداً. فهل تتّجه الولايات المتحدة نحو المصالحة مع العالم؟ وما حصتنا، في المنطقة، من هذه المصالحة؟