جان عزيز


كان التزامن معبّراً حتى الوجع، بين مشهدين اثنين جمعتهما لحظة واحدة من يوم أول من أمس: في مشهد أول كانت وسائل الإعلام تبث خبر بيان صادر عن القيادة العليا في حزب الكتائب، تتمنى فيه على «التيار الوطني الحر» عدم المشاركة في وداع الشهيد بيار الجميل.
في مشهد ثان كانت حافلات تغص بأعلام جنبلاطية وحريرية تتوجّه عبر كورنيش المزرعة نحو ساحة التشييع، وركابها يرددون أهازيج: «الليلة عيد الليلة عيد...» مع خاتمة من الشتائم لقادة مسيحيين.
كان المشهدان حاضرين في تزامنهما وتناقضهما، في الرابية مقر اقامة ميشال عون. وكانا كافيين لاستعادة شريط طويل من الذكريات لدى القريبين من الجنرال. شريط عمره نحو 20 عاماً ونيّف، يبدأ يوم كان وليد جنبلاط يرفض ذكر اسم أمين الجميل في تصاريحه ومواقفه الإعلامية، مستعيضاً عنه بصفة «سوموزا بعبدا»، فيما كان عون المؤتمن على عدم سقوط القصر الرئاسي، بدءاً من خط دفاعه الأول على تخوم «التلات تمانات» و«تلة تمرز»... وينتهي يوم الاثنين في 13 حزيران 2005، يوم اتصل الرئيس الجميل بعون مهنئاً بفوزه في الانتخابات، فرد الجنرال: «ومبروك كمان لبيار، نحنا اللّي منحبّن ما أذيناهن».
الذين استعادوا الشريط السوريالي، صعب عليهم فهم ما حصل منذ استشهاد بيار الجميل بعد ظهر 21 الجاري. وكانت الصعوبة قد بلغت ذروتها مساء ذلك الثلثاء الأسود، بعدما نقل بعض الثقات كلاماً كبيراً جداً قيل ضد عون، فوق جثمان الشهيد في مستشفى مار يوسف.
غير أن الصورة كانت أوضح لدى قائد جبهة سوق الغرب سابقاً. وخلاصة تظهيرها الآتي: الساحتان السنّية والشيعية باتتا مقفلتين ثابتتين ومتوازنتين. لا يمكن لأي حدث داخلي، أكان إنجازاً من هنا أو كارثة من هناك، أن يغيّر ميزان القوى المتكافئ بينهما. إذا انتصر حسن نصر الله أمس على إسرائيل، فهو لن يستقطب صوتاً واحداً إضافياً من شارع «السنّية السياسية» المستحدثة. وإذا انتصر سعد الدين الحريري غداً على بشار الأسد، فلن يغيّر موقفاً واحداً من كتلة الثنائية الشيعية المتراصّة. بقيت ساحة واحدة للّعب والتأثير والتهويل والتضليل و«التقتيل»: الساحة المسيحية.
أيام «لقاء قرنة شهوان»، كان يحلو لبعض الميثاقيين سوق معادلة حسابية، كشرعة عمل وطني للقاء: السباق المحموم اليوم (آنذاك) بين بكركي ودمشق، هو على المسلمين في لبنان. فإذا كسبهم النظام السوري تمكّن من تأبيد هيمنته على البلد. وإذا استملناهم نحن، استعدنا السيادة والميثاق معاً. بعد أعوام نجحت المعادلة جزئياً، عادت السيادة وحيدة، فيما تحوّل الميثاق مقعداً شاغراً، مثل مديرية التربية الوطنية، يستعاض عنه بالإنابات في المناسبات، بزيارات الضريح على طريقة ياد فاشيم، وكل أسطورة مؤسسة لغير الحقيقة.
اليوم تبدّلت عناصر المعادلة: السباق المحموم بات على المسيحيين، من يأخذهم يؤبد سلطته، ويتمكّن حتى من تحويل خطيب كفرنيس الشهير، خليفة لمار مارون، لا رئيساً لجمهورية الضريح وحسب. السباق على من يضع المسيحيين في جيبه إذن، وفي صلب هذه المعركة يقف ميشال عون.
لم يستغرب الجنرال المعركة الشعواء، وإن كانت بعض عناصرها وتواطؤاتها نافرة: صور عون المحطّمة استبدلت بأخرى لسمير جعجع. أعلام «التيار» المنزوعة زرعت مكانها أعلام «قواتية». مع أن «الغاضبين» المفترضين، يجب أن يكونوا من حزب آخر.
في عدد من المناطق حيث افتعل المحرّضون اعتداءات، كانت اتصالات مسؤولي «التيار» ببعض القوى الأمنية الخاضعة لوزارة حريرية، تذهب سدى. وحدها الاستعانة بالجيش اللبناني كانت ممكنة، وأدت في أكثر من محلة الى تلافي الأسوأ وتجنب حروب مسيحية «صغيرة» جديدة.
عند هذا الحد بدا أن تغييراً قد طرأ على الوسائل المسموح بها في الحرب على الوسط المسيحي. بعد البترو ــ دولار والبروباغندا الغوبلزية، بدأت مرحلة أداة جديدة: العنف المباشر. هذا التطور الخطير استدعى فوراً إدخال بكركي على الخط، من قيادة «التيار»، ولوضع الجميع أمام مسؤولياتهم.
تحركت زيارات الموفدين والمسؤولين والروحيين، بين الصرح البطريركي والرابية وبكفيا والأرز، وتوزعت على مسائل ثلاث: الثوابت السياسية الوطنية العامة المفترض أن تؤلّف ضوابط للقوى المسيحية، الأوضاع الشاذة على الأرض بين المناصرين، أو ما وصف بالملف الأمني، وأخيراً الموضوع المحدد المتعلق باستشهاد بيار الجميل واحترام الأصول المسيحية والإنسانية حيال الواجبات التي يفترضها. ولم تلبث أن تتالت «النكسات»: البحث في تقديم التعزية جوبه بإيجابية غير كافية في بكفيا، كما نقل الروحيون الذين تولّوا الوساطة، علماً بأن الرئيس أمين الجميل شخصياً كان في جو أكثر إيجابية. فتوقف البحث في الموضوع حتى أمس، علماً بأن إثارته كانت من وسطاء بكركي.
في «الملف السياسي» أعاد موفدو الأرز طرح ورقة سياسية شاملة تشمل عناوين رئاسة الجمهورية، «حزب الله»، المحكمة الدولية وسواها. وقيل إن محاولة جرت لشرط التهدئة «الأمنية» بالتوافق على العناوين السياسية المذكورة، واعتبار الموضوعين رزمة واحدة. تحفّظ موفدو الرابية، انطلاقاً من التساؤل المشروع: وإذا لم نتفق على الرئاسة، هل نترك التسيّب الميليشياوي لغة تخاطبكم الوحيدة معنا؟
تعرقلت المفاوضات، لكن بكركي لم تيأس، خصوصاً بعدما باتت لديها جردة بالاعتداءات، ومن مصادر رسمية.
في هذه الساعات تستمر المباحثات. نتائجها غير مؤكدة بعد التشييع. لكن الأكيد أن بيار الجميل اغتيل...