strong>جورج شاهين


الحكومة «التلميذ» والأمم المتحدة «الأستاذ»... والفراغ المناسب

وصف كثيرون «الجلسة الوزارية» التي عقدت في 13 الشهر الجاري، وخصصت للبحث في مسودة نظام المحكمة ذات الطابع الدولي الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري ومشروع الاتفاق المشترك بين لبنان والأمم المتحدة، بأنها جلسة «الصوت الواحد». لكن ما شهدته الجلسة من اسئلة عصت على القاضيين المكلفين متابعة التنسيق مع فريق الأمم المتحدة القانوني، وما قدمه رئيس الحكومة فؤاد السنيورة ووزير الاتصالات مروان حماده من توضيحات، كل ذلك شكل دافعا للسعي الى «ضبضبة» المناقشات وعدم تسربها، منعا للاحراج الذي عكسته حدة المناقشات وعدم تقديم المعنيين الكثير من التفاصيل القانونية والمالية المحيطة بالمسودتين.
وقالت مصادر وزارية لـ «الأخبار» ان الجلسة التي عقدت في ظل استقالة ستة وزراء، استهلها السنيورة بمداخلة طويلة شرح فيها المراحل التي قطعتها مسودتا النظام الداخلي والاتفاقية مع الأمم المتحدة، انفاذا لقرارات مجلس الأمن ولا سيما القرار 1644، وتوقف عند الجهود والملابسات، وصولا الى اتصالاته منذ وصول المسودة الأخيرة صباح الجمعة في 10\11\2006 ، وما كانت عليه اجوبة الرئيسين اميل لحود ونبيه بري، ومسعاه للقاء الأول صبيحة يوم الأحد في 12 الجاري وما كان عليه جوابه لبري الذي طلب التأجيل الى الخميس الذي يلي، في انتظار عودته من طهران بعد اربعة ايام على الجلسة.
واكد السنيورة ان المسودة «لم تنل موافقة اعضاء مجلس الأمن مجتمعين، بل بصفتهم الافرادية»، بعدما جالت عليهم افراديا ووضعوا ملاحظات عليها. وتوقف عند بعض المعلومات المتوافرة من نيويورك، خصوصا الملاحظات الروسية التي استوعبت المسودة معظمها.
وتابعت المصادر ان بعض الوزراء ناقش مدى دستورية الجلسة وقانونيتها، في ضوء الملاحظات التي ابداها الرئيس لحود وبعض رجال القانون، فطلب السنيورة من وزير التربية خالد قباني، تقديم الدراسة القانونية والدستورية التي طلب اليه اعدادها قبيل انعقاد الجلسة، فقدم الأخير دراسته التي اكد فيها على دستورية الجلسة، واعتبر الوزراء المستقيلين «غائبين» عن الجلسة لأن رئيس الحكومة رفض استقالاتهم.
وعلى الأثر قدم القاضي رياشي ما سماه «الظروف القانونية التي املت انشاء المحكمة الدولية والمبادئ التي استند اليها المشروع وفقا لقرارات مجلس الأمن ومفهوم المحكمة المختلطة اللبنانية - الدولية». واشار الى النقاط التي اثارت ملاحظات توقف عندها رؤساء البعثات الدبلوماسية في نيويورك، وتلك التي اشار اليها رئيس الجمهورية من دون ان يسميه، ومنها «مسؤولية الرئيس والمرؤوس»، أو ما سمي بملاحقة الرئيس من خلال المرؤوس، وقال: «ان هذه المادة ليست بديلة عن القانون اللبناني الذي يحتوي على المادة عينها وتنص على مسؤولية الرئيس اذا تخاذل عن منع قيام المرؤوس بأعمال مخالفة للقوانين والصلاحيات»، واضاف: «هذه تدخل في صلب القوانين اللبنانية».
وهنا سأل بعض الوزراء ومنهم وزير الاقتصاد سامي حداد: لماذا اذا وضعت هذه المادة في متن المشروع طالما انها في القانون اللبناني الذي ينص الاتفاق على تطبيقه؟ ولم يجد رياشي جوابا، ما دفع بوزير الاعلام غازي العريضي الى اعادة طرح السؤال، لافتا الى ان هذا الأمر «قد يثير التباسات، ولا بد من توضيحات مقنعة ليس لنا فحسب بل لكل اللبنانيين»!.
ورد رياشي: «هذه الفقرة مرتبطة بأمر قانوني وتدخل ضمن اختصاص المحكمة الدولية ذات الطابع الخاص، ولا يمكن ادراج كامل مضمون القانون اللبناني من ضمنها. واشار الى انه ليس لديه اي توضيح نهائي ولا بد من استيضاح الأمر لدى الفريق القانوني في مجلس الأمن.
وسأل احد الوزراء لماذا عدد القضاة الأجانب اكبر من عدد القضاة اللبنانيين، وهل هناك ما يحكم هذا الأمر في القانون الدولي، علماً بان المدعي العام سيكون شخصية دولية؟ فرد رياشي ان الهدف من الأمر التأكيد على موضوعية المحكمة، علما ان نائب المدعي العام سيكون لبنانيا.
وخلال العرض اثار احد الوزراء موضوعي العفو الخاص والعام، لا سيما ان الدستور اللبناني حصر حق منح العفو الخاص برئيس الجمهورية وحده، والعفو العام بمجلس النواب، وسأل: لماذا لم يتناول المشروع نصا خاصا وواضحا بهذا الشأن منعا لأي التباس؟ فرد رياشي: «اذا كانت لدى الدولة التي ينفذ فيها المدان الحكم الصادر بحقه، نصوص خاصة في شأن العفو، فهذا سيخلق اشكالية كبيرة ولا جواب لدي اوضح من ذلك»!
وسأل وزير آخر: عند انتهاء ولاية المحكمة واعتبارها منحلة، من له الحق بتنفيذ او اعادة النظر في الأحكام الصادرة عنها ومفاعيلها؟ فأجاب رياشي: «هذا الأمر يحتاج الى المزيد من البحث»، وايده في ذلك القاضي صادر الذي اضاف: «لا بد من رتوش حول النظام الخاص. فعلا هناك غموض وهذه نقطة اساسية علينا استيضاحها!».
وبعد ذلك اثار احد الوزراء المادة الخامسة الخاصة بتمويل المحكمة، وهل هو على عاتق الحكومة ام الأمم المتحدة؟ فرد السنيورة: «اتفقنا على ابقاء الأمر معلقا، الى ان يبت الأمين العام للأمم المتحدة الأمر، وحسما للنقاش ما علينا الا ان توافق الحكومة وترضى بما يقترحه الأمين العام!». وعبّر وزراء عن عدم اقتناعهم بالأمر، ومنهم الوزير محمد الصفدي الذي طلب المزيد من التفاصيل.
وبعد ذلك أثار احد الوزراء موضوعا آخر: «اذا انتهت مدة المحكمة بعد ثلاث سنوات كما هو مقترح ولم يتم التجديد لها واستجد عنصر مهم يقتضي اعادة المحاكمة او اعادة النظر في احد الأحكام، فمن هي الجهة الصالحة لمتابعة التحقيق واعادة فتح المحاكمة، لوقوع ظلم ظاهر بقوة، كما ينص اي قانون؟».
ولم يحظ السائل بأي جواب، وتدخل القاضي صادر قائلاً: «لم يلحظ النظام الخاص هذا الأمر، وهو امر يحتاج الى المتابعة، والأرجح ان الأمر يمكن ان يتم لدى الدولة الأساس، اي لبنان، وليس اي دولة أخرى يمكن ان تكون مكانا لقضاء فترة الأحكام، لكن ذلك لم يلحظه النص».
وأثار قباني «التباين في الترجمة بين النص العربي والنصوص الأجنبية، فهناك كلمات تكتسب في العربية معاني تختلف عن النصوص الأجنبية، خصوصا ما يتصل بالقوانين ومفرداتها بالانكليزية».
وهنا جرى لغط وطالب بعضهم بالتنبه الى هذا الأمر ، ودار جدل بين الوزيرين قباني وشارل رزق، فقال الأول: ان يقال «ان تتنازل المحكمة عن اختصاصها» كما هو وارد في النص الانكليزي، يختلف القصد منه كليا بين التفسيرين العربي و الانكليزي، فقال رزق لنقول: «ان تحيل المحكمة». ولنعد الى النص الأساسي ولنعتمد النص الانكليزي دون غيره. وتدخل صادر: «الاتفاقية يجب ان توقع وتقر باللغات العربية والانكليزية والفرنسية معا، وليس مسموحا الأخذ بأي نص من دون الآخر».
وتدخل السنيورة: «حسما لكل جدل، فلنلجأ الى ترجمة رسمية وجديدة ونعيدها الى الأمم المتحدة بالصيغة النهائية».
وعاد قباني ليشير الى خطأ آخر وارد في النص العربي حول اللجوء الى «الحكومة اللبنانية لمنح العفو»، وقال: النص الانكليزي واضح عندما يشير الى الحكومة البريطانية، وهذا مفهوم لا يمكننا الركون اليه لأن الحكومة البريطانية معنية بهذه السلطة، اما نحن في لبنان فعلينا اللجوء الى تعبير القضاء، ولذلك لا يمكننا ان نحمّل الحكومة ما لا تستطيع القيام به». وايده في ذلك القاضي رياشي الذي قال ان كلمة «الحكومة» بالمفهوم الأجنبي تعني كل شيء، على عكس ما هو قائم في لبنان التزاما بمبدأ الفصل بين السلطات. وظل النقاش في هذا البند عالقا من دون ان يحسم الجدل حوله، على رغم طلب السنيورة اجراء ترجمة جديدة للعبارات التي تحتمل اي التباس.
واقترح الوزير حماده «ان نوافق على النص كما هو. هذه مسودة غير نهائية، وبمقدورنا ان نعمل على النص الى ان نضعه بالصيغة النهائية ونرسله الى الأمم المتحدة»، مقترحا ترك الأمر للرئيس السنيورة.
ورفعت الجلسة. وقال احد الوزراء لـ «الأخبار» انه خرج من الجلسة مستذكرا في سره احدى المسابقات اثناء الدراسة وهي تقول: «املأ الفراغات بالكلمات المناسبة». على أن تكون حكومتنا التلميذ والأمم المتحدة الأستاذ.