جوزف سماحة


وجّه رئيس الحكومة مساء أول من أمس نداءً هادئاً بعد يوم عاصف. ماذا كان يقصد؟ فتح طريق العودة للوزير حسن السبع إلى الداخلية؟ الأمر متاح ولا يحتاج إلى هذا الإخراج الدراماتيكي. دعوة الوزراء المستقيلين إلى العودة؟ كلا، فهو يعرف أن ذلك ليس بمثل هذه البساطة. ماذا إذاً؟ الأرجح أنه كان يريد غسل يديه من اندفاعة تقوده نحو اتخاذ قرارات مصيرية تهمّ لبنان كله بواسطة حكومة تمثّل، في أحسن الأحوال، نصف لبنان. كان يريد الإيحاء أنه أجرى المحاولة الأخيرة التي تحرّره وتلقي اللوم على الآخرين. كان يعلن أن الحكومة الناقصة باقية.
جاء النداء في ختام يوم تميّز بأنه يوم الحزن الإنساني الصادق، والحشد الشعبي المتواضع، والخطاب السياسي العالي. كان لـ23 تشرين الثاني وظيفة عند محترفي السياسة لا علاقة لها بالمشاعر حيال الوزير المغدور بيار أمين الجميل. ويمكن أن نتلمّس ملامح هذه الوظيفة مما قيل في 22 و24 تشرين الثاني حيث جرى التركيز على أن الحشد سيكون مليونياً ثم على أنه كان كذلك.
كانت الوظيفة الأولى لذلك اليوم هي السماح للسنيورة بأن يوجّه نداءه متسلّحاً باستفتاء حاسم في معانيه. ينزل اللبنانيون بكثافة نادرة إلى الشارع فيصبح النداء استدعاءً للوزراء المستقيلين إلى بيت الطاعة وتصبح عودتهم عملاً رمزياً يعلن عبره الفريق المعارض استسلامه الكامل وسقوط شعاراته وبرنامجه.
أمضى «الأكثريون» يوماً في شتم رموز المعارضة، وتمزيق صورهم، وإطلاق أبشع النعوت عليهم، وتصنيفهم في خندق المجرمين والقتلة والواهمين والداعين إلى المواجهة والفتنة... لكن ما إن حل المساء حتى بات ممكناً استدعاؤهم، بعد ساعات التأنيب التي تعرضوا لها، وبواسطة مذكرة جلب، للمثول أمام الوزارة لا للمشاركة فيها. بكلام آخر إن ما فعله السنيورة كان يفترض به أن يكون عفواً عند المقدرة يصدره باسم الحشد المليوني: أريناكم حجمكم نهاراً ونريكم أريحيتنا ليلاً. أما إذا كان جوابكم على الأريحية جاحداً فسنتصرف بناءً على عرض القوة الذي قمنا به. كان يفترض بالنداء أن يتأسس على ما يسمح بالقول: لسنا أكثرية نيابية وحكومية فحسب، نحن أكثرية شعبية. لسنا أكثرية شعبية فحسب، نحن أرجحية حاسمة. لسنا أرجحية حاسمة فقط، نحن النصاب السياسي المتكامل. أنتم، بهذا المعنى، حفنة تكاد تكون خارجة على القانون. رفعنا في 14 آذار صور الضباط الأربعة وها هم في السجن. سدّدنا السهام في 23 تشرين الثاني على حسن نصر الله وميشال عون لذا عليهما الاختيار: إما الحصة التي أقطعناهما إياها في الحكومة وإلا... لقد أجرت الأكثرية الآذارية محاكمة شعبية لخصومها وأصدرت الأحكام ثم تدخل «رجل الدولة» فقرر التسامح: يرضى أن تضم حكومته «مجرمين» إلا أن الانتقاص من حقوقهم المدنية يوجب حرمانهم حق النقض.
كانت هذه وظيفة أولى لذلك النهار. ومع أن مقوّماتها لم تتأمن تماماً فإن القفز نحو النتائج مقرّر سلفاً.
الوظيفة الثانية هي تأمين مشروعية الدعوة إلى إقالة رئيس الجمهورية. لذلك جرى التلويح باعتصامات لم تحصل. واقترح البعض التوجّه إلى قصر بعبدا فلم يلق تجاوباً. ربما كان في حساب الواقعيين أن الهدف مؤجل وغير ممكن التحقيق حالياً ومع ذلك فإن إشهاره يوفّر، على أقل تقدير، مكسباً آخر. أما المكسب فهو الرد على الإحراج السابق المتمثل في الاضطرار إلى القبول بجدول أعمال معيّن للتشاور. وهكذا لن يعود رأس الحكومة الفئوية هو المطلوب بل رأس الرئيس. وتُقدَّم صورة عن توازن لا يسمح بإطلاق تحركات موعودة تطالب بحكومة وحدة وطنية لأن الواقعي هو طرح شعار مناهض. شعار يطرد شعاراً آخر ويسحبه من التداول. ومع أن الحشد لم يكن كافياً فإن إعلان النية حصل وتحوّل إلى نوع من المصادرة المسبقة لبرنامج أنشطة تنوي المعارضة مباشرته قريباً وتعلن ذلك.
الوظيفة الثالثة لـ23 تشرين الثاني هي الإطباق على «التيار الوطني الحر». توفّر جريمة الاغتيال قاعدة سياسية لذلك. تسمح برفع وتيرة الهجوم والحصار. تشير إلى نوع من الاضطرابات قد يرافق أي تحرك لـ«التيار» في الشارع. لقد كان واضحاً أن الرهان معقود حتى الحد الأقصى على هبّة شعبية في البيئة المسيحية تحاصر الرابية معنوياً وتُحدث تصدعات في بنية «التيار». لذا قيل منذ البداية إنك إذا كنت «عونياً» فأنت ممنوع من الحزن على بيار الجميل ولو بدافع إنساني أو رفضاً للاغتيال السياسي أو إيماناً بحق الاختلاف. أكثر من ذلك، قيل «إذا كنت عونياً فأنت متّهم حتى تثبت العكس»، والعكس هو المشاركة لا في التشييع بل في الطقوس الوثنية أمام كاتدرائية مار جرجس. «العوني النموذجي» هو الذي يمارس «الفودو» فيمزّق صورة الرجل في ساحة الشهداء متوقعاً الاضمحلال للرجل حيث هو.
هذه الوظيفة لم تتحقق أيضاً. وهي، بالتأكيد، لم تتحقق بالقدر الذي يسمح للراغبين فيها بالإقدام على استنتاجات ذات معنى. وثمة، في هذا المجال، من يقول قولاً مضحكاً. هناك من يرضى لنفسه تهمة أنه كذب مرات ومرات في السابق، عند تقدير الانهيار في وضع «التيار»، مقابل أن يجد من يصدق أنه صادق اليوم!
لا يلغي ما تقدم أن «التيار» يتعرّض، منذ فترة، لامتحانات قاسية جداً. لكن بدل أن تقود الحكمة إلى التساؤل عن سبب صموده وصلة ذلك بتلبيته تطلعات قوية في بيئة لبنانية، بدل ذلك تذهب نفسٌ أمّارة بالسوء إلى إيهام نفسها بأن «المهمة أنجزت».
هناك، طبعاً، وظائف أخرى لذلك اليوم. إلا أنها لم تبدُ، هي الأخرى، أقرب منالاً بعدما خالف 23 تشرين الثاني الواقعي 23 تشرين الثاني الافتراضي. إلا أن المشكلة قائمة. وهي قائمة لأن صانع الحدث لا يبني سياسته على الحدث الذي يصنعه بل على صورة الحدث في إعلامه الخاص.