أنطوان سعد


أطلق موقف البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير يوم الأحد الماضي، في شأن الصعوبة الكبرى التي تعترض المساعي المبذولة لتنفيس الاحتقان بين القوى السياسية المسيحية، دينامية في الأوساط غير المنحازة الى أي من الطرفين المتنازعين على الساحة المسيحية. فقد شعرت هذه الأوساط بأن ثمة احتمالاً لتكرار مأساة حرب عام 1990، بعدما صمّ طرفا ذلك الصراع آذانهما عن مناشدات البطريرك صفير لتجنّب حدوثه. لذلك تحركت أوساط إكليريكية وعلمانية مسيحية وتداعت لاجتماعات مكثفة يومية، واتفقت على سلسلة خطوات بدأت باكورتها أمس في دير مار الياس في انطلياس في إطار معرض الإعلام المسيحي تحت عنوان وحدة وسلام.
وتؤكد أوساط مطّلعة أن البطريرك الماروني الذي كان يرمي من خلال موقفه إلى حث الرأي العام المسيحي واللبناني على التحرك وعدم الاكتفاء بمشاهدة تناغم الخلافات السياسية والطائفية في لبنان ومنطقة الشرق الأوسط مع أحقاد دفينة بين طرفي الصراع المسيحيين، أبدى تجاوباً لا بل تشجيعاً لجعل هذه التحركات شاملة وفاعلة، لإجهاض كل محاولة لإشعال فتيل التوتر بين الجانبين. فسيّد بكركي يرى أن مهمة المسيحيين في لبنان لا تقوم فقط على عدم أخذ جانب هذا الفريق أو ذاك من المتنازعين في لبنان والمنطقة، بل على محاولة التوفيق بينهما، لأن أي حرب سنّية ــ شيعية لا بد أن تكون لها انعكاسات خطيرة على المسيحيين، كما هو حاصل في العراق، ولأن دور المسيحيين الأساسي في لبنان والمنطقة العربية هو أن يكونوا دعاة سلام وتقدم وازدهار، لا أن يلتحقوا بأطراف النزاع ويتحولوا وقوداً له.
وفي الكلمة المتلفزة التي سجلها تلفزيون «تيلي لوميير» بعد ظهر أول من أمس وبُثّت مساء أمس أمام مئات الشبان المعترضين على حال الاحتقان والتشنج، الذين احتشدوا في انطلياس، حضّ البطريرك صفير على عدم التماثل مع من يتقاتلون في المنطقة، وعلى لعب دور إيجابي على مستوى التقريب بين المتنازعين والحفاظ على رباطة الجأش وعدم الوقوع في الخوف. أما المطران جورج اسكندر الذي ترأس اللقاء، فدعا الشبان الى أن ينبذوا الأصنام ويؤسسوا في مناطقهم حالات اعتراض على العنف. وتمنى أن «يقوم في ساحتنا الوطنية رجالات مشهود لها بالكفاءة والمعرفة والصدقية، يقفون الى جانب المسؤولين والسياسيين من كل الاتجاهات». وأشار الى أن تصاريح البطريرك صفير «ولا سيما ما نطق به أخيراً في شأن المسؤولين في وطننا وفي جماعاتنا المسيحية وأمر تنافرهم، يجعلنا نشعر بما يخالجه من خوف على المصير وبالألم الكبير الذي يحزّ في قلب مرجعيتنا الأولى». ورفض المطران اسكندر «الصراع العبثي» والانقسامات الهدّامة في صفوف اللبنانيين.
وتصر الهيئة المنظمة للتحرك الاعتراضي مساء أمس على مواصلته لإحراج الأطراف المتنازعة وحملها على إعادة النظر في أساليبها القائمة على الاستفزاز والتحدي، ولبلورة دينامية سياسية مسيحية جامعة ومستقلة في آن، ستكشف عن تفاصيلها قريباً. وقد دخلت الهيئة في اتصالات مع جمعيات وحركات كنسية وشخصيات مستقلة لتسريع خطواتها في اتجاه الهدف المشار إليه.
وفي شكل مواز، يتكوّن بعيداً عن الأضواء تحرك منسجم مع ما يجري في انطلياس ومشارك فيه، وتضطلع به شخصيات سياسية وأكاديمية مستقلة بالتعاون مع قادة روحيين. ويرمي هذا التحرك الى تثمير الحركة الاعتراضية وتأطيرها، بغية جعلها فاعلاً في اتجاه بلورة حركة فكرية ــ سياسية مستقلة تدعو الى الديموقراطية داخل الأحزاب والتيارات السياسية المسيحية واللبنانية، والى تعميم مبادئ تداول السلطة والشفافية والمحاسبة في العمل الحزبي والسياسي.
وعندما سأل بعض الشخصيات العاملة على خط هذين التحركين البطريرك صفير عن رأيه في ما يجري التحضير له على المستوى المسيحي، أجاب أن لا مانع لديه وأنه يشجع كل ما من شأنه أن يخرج الواقع المسيحي ومن ثم اللبناني من الثنائيات القاتلة التي تتجاذبه في أكثر من موضع، على ألّا تنحرف هذه القوى عن المبادئ الديموقراطية التي تنادي بها وتنغمس بدورها في التجاذبات وتزيد من حال التشرذم والانقسام المشكو منها. ومن المعروف أن البطريرك صفير لا يحبّذ قيام تحركات أو جمعيات من لون طائفي واحد، ولطالما أبدى عدم حماسته لإنشائها في زمن الهيمنة السورية وفي مطلع الفترة التي تلت انسحاب سوريا من لبنان. يبدو أن أداء السياسيين المسيحيين بعد عودة حرية العمل السياسي الى لبنان قد دفعه الى وضع بعض الماء في نبيذه.