جوزف سماحة


في أيام مثل هذه لا تعود الكلمات قادرة على إيفاء المعاني حقها. تبدو العبارات كلها مستهلكة. عاد اللبنانيون إلى الخنادق. لكل طرف مونولوغ. الانشطار الوطني يجعل الكلام على أكثرية وأقليّة نافلاً. الأزمة أكثر عمقاً من أن تقاربها حلول تقلّ عنها تاريخية. إن إعادة «اختراع» لبنان ومعناه هي المطروحة على الجميع اليوم. كل لحظة تمرّ هي خسارة. ما إن تندلع المواجهة، حتى يصبح ممكناً خروجها عن السياقات المرسومة لها. نعرف كيف نبدأ ولا نعرف كيف ننتهي. هل كانت القوة العظمى الوحيدة في العالم تتوقّع تطوّراً مثل الحاصل لعدوانها على العراق؟ هل كانت القوى العظمى الإقليمية تتوقّع نهاية مثل التي حصلت لعدوانها على لبنان؟ الأزمات كائنات حيّة تملك قوانين خاصة لنموّها ولا يستطيع أحد أن يتحكّم بمراحلها ومآلها.
إلا أننا في لبنان. ولنا في هذا الأمر تجربة. لنعد بعض الشيء إلى حروبنا الأهلية التي استمرّت من 1975 إلى 1990 وانتهت إلى ما نكتشفه اليوم من أنه كان هدنة ولو مديدة.
في تلك الفترة التي امتدّت على عقد ونصف انقلب لبنان غير مرّة، وانقلب الوضع الإقليمي، وانقلب الوضع الدولي. صعدت قوى واختفت قوى. تدخّلت سوريا وتغيّرت تحالفاتها. غزت إسرائيل لبنان واحتلت بيروت. خرجت الثورة الفلسطينية لتعاود الاندلاع فوق أرضها. وقعت حروب إقليمية لا تحصى حصدت الملايين. احتضرت الحرب الباردة الكونية. سقط مئات آلاف القتلى والجرحى في لبنان. تغيّرت ديموغرافيا البلد بالتهجير. شهدنا عمليات تطهير طائفي وإتني. مجازر كثيرة توالت. قادة كبار غابوا. أحزاب بكاملها اضمحلّت وغيرها نشأت. ويمكن الاستطراد...
نلاحظ، برغم ذلك أو بسبب تناقضاته، أن التسويات التي كانت مقترحة في مطالع 75 و76 تشبه كثيراً تلك التي استقرّ عليها الوضع في النهاية. إن الفرق بين «الوثيقة الدستورية» و«اتفاق الطائف»، بين أول الحرب وآخرها، ضئيل جداً قياساً بحجم ما جرى بين التاريخين.
لبنان بلد يسهل تقويضه ويصعب بناؤه. وكلما أعيد تشييده على الأسس نفسها أثبت أن النقائض فيه قابلة لانفجار لاحق. إن النظام اللبناني يحمل في أحشائه بذرة تدميره أو بالأحرى بذرة وضعه، باستمرار، على شفير الدمار.
تشبه أزمة اليوم أزمات الأمس: أي تقاسم للسلطة هو الأقدر على تنظيم التعايش وما هي الصلة العضوية بين ذلك وبين موقع لبنان الإقليمي؟ والتوازن الموجود اليوم، كما يمكن أي عاقل أن يرى، هو توازن لا يسمح إلا بإعادة إنتاج تسوية. لذلك لا معنى لكلام رئيس الحكومة فؤاد السنيورة على أن لبنان محكوم بالحوار ولو بعد حرب أهلية. فلبنان قادر على تجنّب هذه الحرب وهو محكوم، فعلاً، بالتسوية لا بمجرد الحوار.
إن اتخاذ موقف مما يجري ليس أمراً بسيطاً. يجب الاعتراف، بادئ ذي بدء، بأن زمن الانتصارات السعيدة ولّى. ففي مواجهات من هذا النوع، وفي ظل انقسامات بمثل هذه الحدّة والتساوي، يتضمن أي انتصار قدراً كبيراً من الهزيمة. لكن يبقى أن العنصر الذي يمكنه أن يحسم في ترجيح موقف على آخر هو إقدام المواطن، أي مواطن، على تقدير حرّ لمواقف المتخاصمين والميل إلى الموقف الذي يبدو محكوماً بهاجس التسوية.
إن المعارضة هي الأقرب إلى منطق التسوية في لبنان. فإذا قرأنا دعوتها إلى الاعتصام المفتوح، في سياق ما طرحته خلال الأسابيع الأخيرة، نلاحظ وجود مفارقة جزئية. تحتجّ هذه المعارضة على انفراد الآخرين بالسلطة وتدعو إلى تحرّك تحت شعار «حكومة الوحدة الوطنية» وتطالب بانتخابات نيابية مبكرة وتؤكد صبح مساء أن لبنان لا يُحكم إلا بالتوافق.
إذا كان لبنان لا يُحكم إلا بالتوافق فما مبرّر الدعوة إلى انتخابات نيابية مبكرة حتى لو قادت إلى جعل الأقليّة الحالية أكثرية وبالعكس، ما هو المبرّر ما دام لبنان لا يُحكم إلا بالتوافق؟ إن المبرّر هو رغبة المعارضة في التذكير بأنها ترى نفسها أكثرية شعبية والتأسيس على ذلك للمطالبة بحقّها في المشاركة الفعلية في السلطة مع ما يعنيه من حق النقض. يعني ذلك عملياً أن المعارضة هي الحاملة الموضوعية لفكرة التسوية فيما الفريق الحاكم يبدو استئثارياً وراغباً في الانفراد حتى لو كانت قاعدته الاجتماعية أضيق من أن تخوّله النطق باسم اللبنانيين جميعاً. إن «التسوية» تقترع لمصلحة المعارضة. لذا لا مخرج للأزمة الحالية، مهما تمادت، إلا المخرج الأقرب إلى هذه التسوية والأقدر على تأمين تقاسم للسلطة يلغي مفاعيل عهد «الوصاية السورية» والمفاعيل التي أُريد لها أن تسيطر بعد العدوان الإسرائيلي.
نقول ذلك مدركين أن أي تسوية عتيدة، مهما كانت مكلفة، هي، في العمق هدنة جديدة. أما خروج لبنان نهائياً من نفق الانفجارات المتباعدة فيلزمه مشروع آخر، وقوى سياسية أخرى. إنه مشروع ليس في الأفق ولا في المدى المنظور. لذا وجب الاكتفاء، مرحلياً، بتسوية سريعة ما دام البديل هو تسوية مشابهة بعد ثمن فادح.