نادر فوز


تلامذة يتحدّثون على هواتفهم الخلوية، آخرون خلعوا اللباس الخاص بالمدرسة، منهم من يلعب الورق أو الـ«playStation» خلال الاستراحة، أو يتبارى في الـ«Baby-foot»...
إنها «الأجواء» الجديدة التي يتّبعها منذ سنتين مدير المرحلة الثانية في مدرسة سيّدة الجمهور، الأستاذ جوزيه جمهوري


مدرسة سيدة الجمهور التي مرّ عليها ميشال إدّه وميشال سماحةو كريم بقرادوني وزياد الرحباني وغيرهم، تأسّست عام 1953 على أيدي الآباء اليسوعيّين. فخلفت ثانوية جامعة القديس يوسف (بيروت) التي حلّت بدورها عام 1849 بدلاً من مدرسة غزير «الداخلية» (1844).
ومنذ عام 1975، تستقبل «الجمهور» التلاميذ، ذكوراً وإناثاً، بدوام نهاري من التمهيدي حتى الصفوف الثانوية. وعرفت بنظامها الصارم، حتى إنّ إدارتها طردت وزير الصناعة الحالي، وتلميذها السابق، بيار الجميّل، لأسباب أكاديمية، وذلك خلال ولاية والده الرئيس أمين الجميّل.
كان لجوزيه جمهوري، الذي بدأ بتدريس مادة التاريخ والجغرافيا (البكالوريا الفرنسية) عام 1979، مشروعه الخاص لتسلم إدارة المرحلة الثانوية العامة، تحت عنوان عريض: «تعليم التلاميذ عدم الاتّكالية والديموقراطية»، وهو القادم من سبعة عشر عاماً من العمل الصحافي في «L’orient le jour». رأى جمهوري خلال مناسبات جامعية عدّة، كالمحاضرات والنقاشات، أنّ طلاب «الجمهور» لا يجدون أنفسهم معنيين بالقضايا العامة، «لا يتكلّمون ويناقشون بهمّة طلاب المدارس الأخرى». وحين يفعلون ذلك، فهم يهتّمون بقضايا سياسية عامة «وليس تلك التي تطالهم مباشرةً كطلاب».
بعد نقاش وتفاهم مع مدير المدرسة، الأب سليم دكاش، بدأ جمهوري مشروعه عام 2004، بتغيير النظام الانتخابي لممثّلي الطلاب في كل فروع الثانوية العامة وفي مجلس الممثلين. فأصبحت الانتخابات تجري مرّتين في العام، في تشرين الأول وفي كانون الثاني، بهدف «تحميل الممثلين مسؤولياتهم وإتاحة الفرصة أمام الطلاب لمحاسبتهم، ربما عبر عدم انتخابهم في القسم الثاني من السنة». وحُدّدت ثلاث حقائب لممثّلي كل صف: العلاقات مع الإدارة والأساتذة، الصندوق، والنشاطات.
يشير جمهوري إلى أنّه أجبر الطلاب عبر هذا النظام على تأليف لوائح وبرامج انتخابية «لينتخبهم زملاؤهم على أساس عملهم وليس لأنهم مهضومين أو حلوين كما كان يحصل في السابق».
خلال الحديث مع جمهوري، دخلت مكتبه مجموعة من الطلاب المتخرّجين العام الماضي. كان اللقاء حاراً بينهم وبين المدير، أسئلة وأجوبة سريعة، ثم شرع «التلامذة» في الشكوى من اختلاف «الأجواء، والمعاملة والمحيط». هزّ جمهوري رأسه وأكّد أنّ هدفه الأساسي هو جعل المرحلة الثانوية العامة مرحلة تحضيرية للجامعة، «أي معاملة التلاميذ بين ناضجين وصغار»، مشيراً إلى أنه كنظام الـ«Freshman»، «إنّما بمسؤوليات أكبر».
وضع جمهوري ميثاق تفاهم بين التلامذة والأساتذة والإدارة، أوضح من خلاله واجبات وحقوق كل منهم. فمنح تلاميذه حرية ضمن القانون، وديموقراطية نادراً ما نجدها في المدارس، ومسؤولية لإتمام عامهم الدراسي بنجاح والعمل على تمويل مشاريعهم «الترفيهية». كما شرّع إمكان التسلية، لكن ضمن «الطابق» المخصص لطلاب «الثانوية العامة»، كشراء الـ«Baby-foot» التي اشتراها خرّيجو السنة الماضية، وآلة الدرامز التي اشتراها التلامذة الحاليون... فيقول «ما بدّي خليهم يحسوا أنني عم بعطيهم cadeau، بدي يتعلّموا يطالبوا بالشغلة لإنهم بيستاهلوها».
هذا الميثاق الجديد، يوقع على المدير مسؤوليات كثيرة، منها الأكاديمي ومنها اليومي. فيكفي أنّ يخلّ أحد التلاميذ بالميثاق، لتتوجّه الملاحظات نحو الإدارة، «قد ما بيعطوني بعطيهم». خلال السنتين الأخيرتين من ولاية جمهوري، التي ستستمرّ ثماني سنوات أخرى، كانت النتيجة الأكاديمية جيّدة، فلم يرسب إلا طالب واحد في امتحانات البكالوريا (الفرنسية واللبنانية).
ليس القانون الصارم ولا حدّة التوجيه ولا تأمين كل الاحتياجات هو ما يخرّج طلاباً مسؤولين، بل إتاحة النقاش بين الطالب والمدير، وتوضيح الواجبات والحقوق. هذا ما يحاول الأستاذ جوزيه جمهوري اتّباعه، ويبدو أنه نجح حتى الآن، وليس على تلاميذه إلا أن يلتزموا لتبقى لهم الـ«Baby-foot» وألعاب «الورق» والهواتف الخلوية والملابس غير الرسمية...