ابراهيم الأمين


بعد توقف الحرب الاسرائيلية بيومين أو ثلاثة، كان العماد ميشال عون يركب سيارته ويتجه بهدوء ومن دون ضجيج امني ليصل بعد وقت الى مبنى عادي ويصعد الى طبقة عليا حيث يكون في استقباله الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. عناق حار وانفعالات وعواطف قبل الدخول في كلام كثير على وقع أصوات طائرات التجسس الاسرائيلية. مراجعة لكل شيء، وكلام كثير من السيد عمّا يحمله هو وكل المقاومين وأهلهم في اعناقهم من دين للجنرال ورفاقه وأنصاره. وعرض لتفاصيل كثيرة عن أيام الحرب ولياليها. ثم كلام اكثر تفصيلاً عن واقع الحال السياسي محلياً وإقليمياً ودولياً. وكان هناك تفاهم أكبر من المفترض على قراءة ما حصل وما يحصل وما يمكن ان يحصل، وربط الامور بعضها ببعض، مع التأكيد على ثلاثة أمور:
الأول: شخصي ويتصل بتثبيت غير تقليدي للعلاقة بين الرجلين، وخصوصاً ان اختلاطاً هو الاول من نوعه يحصل على مستوى قواعد الفريقين إزاء العاطفة لكل منهما. وقال احدهم انه لو حضر العماد عون مهرجان الانتصار لكان غطى على حضور السيد. كما تمنى آخرون ان يفاجئ قائد المقاومة أنصار التيار في احتفالهم في 15 تشرين الأول. وخلاصة الامر ما لم يرو عن طبيعة اللقاء بين الرجلين ونوعية الكلام الشخصي الذي قيل فيه.
الثاني: يتعلق بالعلاقة بين الطرفين، وثمة جهد اضافي لأجل تحويل التفاهم القائم منذ مدة الى تحالف جدي يرتكز على برنامج سياسي أساسه الاتفاق على ان تطوير البنية السياسية للدولة يمكن ان يجد صيغة مختلفة إذا خرج من جانب قوى تسعى لتحطيم البنى التقليدية في دولة نهشتها عمليات إعادة الإنتاج المتتالية لأنظمة الحكم الطائفية والمذهبية.
ثالثاً: التوافق على حتمية السير في خطة عمل تهدف الى تحقيق تغيير سياسي متدرج يأخذ في عين الاعتبار، اولاً، إعادة التوازن الى السلطة التنفيذية والشروع في تحضير انتخابات نيابية وفق قانون يساوي تماماً بين جميع المناطق وبين جميع المواطنين، ويتيح المجال أمام الانتخابات الرئاسية بصورة بعيدة عن “التوازن الوهمي” القائم حالياً.
وإذا كان الطرفان قد اختبرا بنجاح قواعدهما الشعبية في 22 أيلول و 15 تشرين فإن سلوك الاكثرية قد يدفع بهما الى اختبار جديد من نوعه يتيح لهما ملء بقية الساحات بالاشتراك مع قوى وتيارات باتت أكثر جهوزية من السابق للتحرك سياسياً وشعبياً، وفتح الباب أمام آليات ترفع من مستوى التعبير الاعتراضي عند مجموعات توهم الأكثرية انها منسجمة معها وهي موجودة بقوة في الاوساط الاقتصادية والاكاديمية. وربما يكون الشهر المقبل أو ما يليه مناسبة لهذا التحرك الذي يأخذ أشكالاً قد لا تكون مطابقة تماماً لما يحسب فريق الاكثرية، العامل وفق “صورة نمطية عن الاحتجاجات وعن أشكال التحرك الاعتراضي على سلطة جائرة”.
لكن ما يدفع نحو المواجهة اكثر ليس فقط الاعتبارات الداخلية نفسها. وهذه المرة فإن الحسابات الخارجية موجودة بقوة عند فريق الاكثرية الذي اجرى خلال الايام القليلة الماضية مراجعة مع العواصم المعنية ولا سيما مع باريس وواشنطن ومع كل من الرياض والقاهرة، حيث يبدو ان قرار الاستمرار في المواجهة اكبر من السابق مع دعوة إلى مزيد “من الاحتيال السياسي” من خلال دعوات غير مفهومة لحوار غير مبرمج الـأهداف والنتائج، ولا يمثل في الواقع إلا محاولة لوقف اندفاعة المعارضة من جهة ولخلق عصبيات طائفية ومذهبية من جهة ثانية.
ويقول قطب بارز في المعارضة إن الأمر يتصل الآن بما سوف تسفر عنه المراجعة الاميركية للسياسات المتبعة في المنطقة، حيث بات من المؤكد ان “استراتيجية الخروج” ستحل محل “استراتيجية الانخراط” الأمر الذي لن يتم مع قليل من الدماء والفوضى، وخصوصاً أنه سيترك أثره الكبير على كل من تورط في الجرائم الاميركية القائمة في دول المنطقة، والتي حولت مشروع الحريات الى مشروع دموي جعل الناس يترحمون على أنظمة القهر. ثم هناك الانعكاسات السياسية والاقتصادية العامة لهذه السياسات على دول المنطقة، والتي سوف تترافق مع دخول فرنسا في مرحلة التبدل التاريخي، حيث سيحتفل اللبنانيون والعرب هذه المرة، لا الفرنسيون فقط، بالخلاص من “حاكم الإليزيه” جاك شيراك الذي قد يورّط أبناء جيشه في مغامرة جديدة في لبنان.
وبناءً على ذلك، فإن فريق الاكثرية لم يجد أمامه الآن سوى المسارعة الى تشكيل محكمة دولية في جريمة اغتيال الرئيـــــس رفيـــــــق الحـــــــريري تكون على شكل محكمة سياسية تصدّق على أحكام سياسية صادرة مسبقاً، وتكون مناسبــــــة لتغييرات مفترضة من قبل هؤلاء في المنطقة ولا سيما في سوريا، وهو ما يفسر “رسالة الفطر” التي وجهها النائب السابق للرئيس السوري عبد الحليم خدام أمس من على شاشة “المستقبل”.
وبناءً عليه، فإن فريق المعارضة الذي يرى نفسه أمام سلطة محلية آخذة في عملية الاستئثار في كل أدوات الحكم، وبناء آليات تسلط على كل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، يجد نفسه أمام موجة ضغوط دولية من النوع المتصل بجعل القرار 1701 طيّعاً بيد القوى الدولية المنفذة له ولا سيما الفرنسيين. كما يجد نفسه أمام مشروع للإطباق على الاقتصاد اللبناني من خلال برنامج مساعدات مفترض في باريس ـــ3 وعلى طريقة ربط رواتب موظفي الدولة نفقاتهم العادية بوجود حكومة يوافق عليها الغرب المانح... أليس ما يحصل في فلسطين الآن نموذجاً؟
ولذلك يردد قطب معني أن القوى القابضة على السلطة الآن تواجه أصعب اختبار يتصل بتآكل شعبيتها ونفاد اوراق المساومة وضيق هامش المناورة. ولم يبق أمامها سوى التلويح بورقة النــــــــــــقد ومالية الدولــــــة. لكــــــن ذلــــــك لــــــن يغيّر في واقع القرار المتخذ من القوتين الاساسيتــــــــــــين بأن “برنامج الحوار يجب أن يكون مرتبطاً بآليــــــات تنــــــــــــتج واقعاً جديــــــــــــداً عادلاً، وليس هناك من مجال لتسوية مع هذه الحكومة. والتغيير يشمل كل شيء، التركيبة والتمثيل والحقائب والسياسات العامة والبيان الوزاري وحتى رئيسها إذا تطلب الأمر”.