طارق ترشيشي


قبل العدوان الاسرائيلي، كانت هذه الاكثرية تسابق الوقت من أجل الامساك بكل زمام السلطة ومقدرات البلاد على قاعدة انها “الأكثرية” وأن منطق الديموقراطية يعطيها الحق في ذلك. لكن العدوان الذي فشل في سحق المقاومة وحزب الله، فتح الباب امام واقع جديد.
توجه الأكثرية نحو التهدئة جاء بعد اكتشاف خطأ الهجوم الذي شن عبر بيان البريستول الشهير إثر توقف العدوان الاسرائيلي، ثم جاء سعي النائب سعد الحريري إلى لقاء مع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله على رغم إدراكه المسبق أن هذا اللقاء مستحيل في هذه المرحلة، ثم سارع الغرب إلى دعم رئيس الحكومة فؤاد السنيورة لإعلان موعد انعقاد مؤتمر باريس ــ 3 في 15 كانون الثاني في باريس لا في بيروت كما كان مقرراً، محاولاً من خلال ذلك الإيحاء أن حكومته باقية في مواجهة دعوات المعارضة الى رحيلها وتأليف حكومة وحدة وطنية.
وفي المقابل فإن المعارضة التي كانت تشتري الوقت قبل العدوان، بدأت تسابق الوقت بعده للإسراع في الاستثمار السياسي للانتصار وإعادة التوازن الداخلي عبر تأليف حكومة وحدة وطنية، إذ إنها تنظر بارتياب الى “هدوء” الأكثرية وتخشى من مراهنتها على دعم اميركي وفرنسي للحكومة والاندفاع في حملة جديدة على حزب الله وحلفائه.
وترى المعارضة في ما تفعله الاكثرية حرباً استباقية مستقوية بـ“إعلانات الدعم” الاميركية لحكومة السنيورة، وهي ماضية في مشروعها، وقد تمكنت بمنهجيتها الجديدة من فرض قراراتها التي رُفضت قبلاً وكان آخرها الرقابة الأمنية عبر الكاميرات من خلال حوادث امنية (ملتبسة ومثيرة للريبة لناحية الاهداف أو الاسلحة المستخدمة) وكأن المستهدف هو الأمن الداخلي اللبناني، ثم البعثات الدولية. وكان اللافت للنظر، أن السنيورة صرح بعد حادثة فردان بأنها يمكن ان تكون رد فعل على أحداث الرمل العالي الأخيرة، لتحميل القوى ذات النفوذ هناك مسؤولية غير مباشرة. وبعد افتعال ضجة كبيرة حول الامن المتدهور، وضعت الاكثرية قرار المراقبة الامنية بالكاميرات على الطاولة، وهو ما جعل المعارضة امام خيارين: إما الموافقة على القرار وبالتالي تلبية الشروط الخارجية، وإما رفضه وتحميلها مسؤولية انكشاف الساحة أمنياً. وكل ما استطاعت المعارضة أن تنجح فيه كان، حسب قول احدهم، أنها قلّلت من “الخسارة” لكنها رضيت بها.
ويبدو أن منهجية الاكثرية هذه ستتوالى فصولها مع المحكمة ذات الطابع الدولي، وقد عمّمت على كل اقطابها أن يجري التعامل مع كل معترض سياسي أو مطالب بمعالجة شأن معيشي او تلوث بيئي أو غلاء اقساط مدرسية او مطالبة بتغيير الحكومة او ترقيع الطرق، باتهامه بالسعي إلى عرقلة إنشاء المحكمة الدولية، حتى يضطر المعترضون على هذه المحكمة الى أن يدفعوا التهمة عن انفسهم ويبدأوا بالمطالبة بالمحكمة والموافقة عليها كيفما كانت صيغتها ونظامها.
وفي السياق ذاته، يرد الكلام الفرنسي عن مواجهة الخروق الجوية الاسرائيلية. ويبدو أن الهدف هو تأمين غطاء جوي للقوات الفرنسية التي تفترض نفسها أنها ستكون القوة الدولية الوحيدة التي ستتدخل بالنار داخلياً، وفق منطق الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي قال إن لقوة “اليونيفيل” دوراً داخلياً الى جانب مهمتها الاصلية.
وهنا تخيَّر المعارضة بين الطيران الاسرائيلي او الطيران الفرنسي، فتقبل الاخير لأنه “أهون الشرين”. ثم يأتي بعد ذلك دور الحدود اللبنانية ــ السورية حيث يبدأ الانتشار الدولي عليها بداية بخبراء يرتدون اللباس المدني ويتولون إدارة التقنيات، ثم يعطون اسلحة فردية للحماية الشخصية، وبعدها تُنشأ مراكز للمناوبة لينتهي الامر بوجود عسكري مباشر وظاهر.
وفي غضون ذلك فإن الاكثرية ستتابع العمل لتحقيق مخططها على مستوى الادارة خلال مدة 3 أشهر، ولذا فإنها ستسعى الى استكمال التعيينات القضائية والإدارية، بعدما أُقرّت التشكيلات الدبلوماسية، وذلك بالطريقة نفسها التي أُقرت بها المراقبة الامنية بالكاميرات، حتى إذا اضطرت للقبول بتأليف حكومة وحدة وطنية، تكون قد احتلت بواسطة المحسوبين عليها كل المواقع الإدارية المهمة. وهكذا تكون المعارضة التي ستشارك في الحكومة الاتحادية قد دفعت الثمن مرتين: مرة عندما كانت خارج القرار لدى إجراء التعيينات، ومرة عندما ستتحمل وزر الأداء الحكومي في مواجهة الاعباء مع الاكثرية.
هل تنجح خطة الاكثرية، أم أن المعارضة ستتنبه ولا تعطيها الوقت الكافي لإنجازها؟
السؤال له اجابات مختلفة، لكن الثابت من المعطيات هو : أن حزب الله ليس في وارد الدخول من خلال هذا الحوار في اي اتفاقات ثنائية مع احد، وليس وارداً لديه الدخول في تسويات ثنائية مع احد بمعزل عن حلفائه او على حسابهم، وأن الحوار المطلوب ليس بين “حزب الله” وتيار “المستقبل“ بل بين ممثل عن الفريق الاكثري وممثل عن المعارضة، لأن المشكلة ليست بين هذين الطرفين بل هي بين السلطة ممثلة بالأكثرية، والمعارضة.