جوزف سماحة


لم ينجح أحد في تحويل لبنانيين راشدين إلى أطفال كما نجح رئيس المجلس نبيه بري. اكتفى بقول كلمة واحدة: «عيدية». ثم تكفّلت التكهنات والشائعات بالترويج لـ«يوم سعيد» تهبط فيه على المواطنين هدية سواء على شكل لقاء داخلي يزيل التوترات أو زيارة ثنائية إلى دمشق تضع لبنان وسوريا على طريق استئناف العلاقات المميزة.
«العيدية» فعل أبوي مرتبط بمناسبة معينة. يكفي جهد قليل جداً للحصول عليها. إنها نوع من واجب روتيني حيال الأبناء، أو مناسبة لشراء ثياب أو ألعاب. لا يُعقل لها أن تكون مكافأة لفضّ نزاع بين «مواطنين» أو لإرساء علاقات بين الدول على أسس سليمة. إنها تشترط، أصلاً، وجود وئام يسمح لرب العائلة، إن استطاع إلى ذلك سبيلاً، تمضية أيام هانئة مع أفراد أسرته.
ليست هذه حالة اللبنانيين. ثم إذا كانت العيدية تفترض العيد فإن التباينات واصلة إلى حد الاختلاف في تحديد الموعد. ويسمح هذا الاختلاف لبري بأن يلتمس اليوم الموعود كما يشاء.
قد يكون وعد «العيدية» زلّة لسان. إلا أنه، في المقابل، تعبير دقيق عن الموقع الذي احتله بري في الشهور الأخيرة. موقع الطرف المبتعد، شكلاً، عن المنازعات، والمتعالي عليها، والقادر على أن يقترح لها مخارج. لا أحد يصدّق أن الموقع ملتبس، فللرجل انحيازات واضحة، ولكنه موقع يراد له أن يكون كذلك حتى لا يأتي العيد، وخصوصاً ما بعد العيد، وشعرة معاوية مقطوعة.
وقد بدت رغبة البعض في جعل هذا الموقع ملتبساً حداً دفع بقادة إسرائيل إلى اعتبار تصريح لرئيس المجلس بمثابة «عيدية» مقدمة إليهم. وتهيّأ لهؤلاء أن المقصود ليس صلحاً لبنانياً ــ لبنانياً ولا لبنانياً ــ سورياً بل صلح لبناني ــ إسرائيلي طال انتظاره. وما إن عبّروا عن فرحتهم بهذه الهدية حتى تلقوا رداً حازماً من الطرف الذي يمكنه أن يمازح اللبنانيين لكنه يعتبر نفسه جزءاً من مقاومتهم لإسرائيل.
لا شك في أن «العيدية» بالون اختبار أدى دوراً في خفض حدّة التوترات في السجال السياسي. لكن ذلك لم يمنع القوى السياسية من أن تتصرف وكأن الهدية هي ما سوف يقدمه طرف إلى الطرف المنافس. ترى الأكثرية النيابية والحكومية أن العيدية هي سحب شعار حكومة الوحدة الوطنية من التداول. وترى الأقلية أن العكس صحيح وأن الأمنية هي تبشير المواطنين بسلطة تمثّلهم جميعاً وتنهض سياستها على القواسم المشتركة بينهم. ويمكن القول، بهذا المعنى، إن «وعد بري» سبّب قدراً من الخجل للمعسكرين المتواجهين جعلهما يلتزمان، نسبياً، الهدنة الرمضانية من دون أن يعني ذلك مغادرتهما لمواقعهما، أو التخفيف من وتيرة الاستعدادات للمنازلة المقتربة.
اكتشفنا، في الأيام الماضية، جانباً من هشاشة الوضعين الإعلامي والسياسي. لم يعد سهلاً الكتابة عن الوضع الداخلي من دون المرور على «العيدية» المرتقبة ومن دون قراءة الوقائع العنيدة المخالفة بنظارات وردية. ولم يتورّع سياسيون عن استخدام المصطلح وهم يرسمون على وجوههم ابتسامات غبية يراد لها أن تجعل التفاؤل يفيض فيضاً على أمل أن يتمكن من إغراق الأزمة... أو، على الأقل، من الإيحاء بأن الأزمة هي من فعل الغير.
إلا أننا اكتشفنا، أيضاً، توقاً لدى الشعب اللبناني إلى التمسّك بأي أمل. ساد نوع من الرغبة في حصول معجزة ما. هذا التوقع مشروع حتى لو أنه يقود إلى التصديق أن محتالاً يعيش في ماليزيا سينفق في وطنه ما لا يقل عن خمسة عشر مليار دولار!
يكفي المرء أن يراقب ما حوله ليدرك معنى الظاهرة المسماة «ميشال حايك». فهي لا تفسّر الكثير من أمر هذا الرجل اللطيف. لكنها تعبّر فعلاً عن سيكولوجيا جماعية تعيش قلقاً وتوتراً، وتريد أن تعرف ما تخبئ الأقدار لها، وتتمنى لو يعود الأب كارديف اليوم ويوزع نفسه، أو من مثله، على الطوائف كلها أو، على الأقل، على الطوائف «الحليفة».
لم يكن ممكناً لمزحة «العيدية» أن تنتشر لولا وجود نيات عامة بإسقاط الأمنيات على الحقائق الملموسة. لقد كان تعميمها دليلاً على نوع الرغبات السائدة في هذا الزمن الصعب حيث يكثر من ينتظر علاجاً لمشكلة تواجهه أو تواجه الجماعة التي يشعر بالانتماء إليها.
واللافت أنه لا أحد وجّه لوماً إلى الرئيس بري لأن العيد فات و«العيدية» لم تصل. على العكس. بدا الرجل معذوراً. لا بل بدا مشكوراً. والمرجّح أن تواطؤاً من نوع خاص نشأ بينه وبين اللبنانيين مضمونه أن في وسعه أن يعد بما لا يملك، شرط أن يعد خيراً، ومن مصلحتهم أن يستسلموا لهذا الخدر اللذيذ.
ها قد حل العيد ولو بالتقسيط فليمضه اللبنانيون بسلام. سيعودون بعده إلى أرض الواقع، وستلامس أرجلهم الأرض. سيكتشفون أنه، في حياتنا العملية، «العيدية» هي، على الأرجح، حق ينتزعه طرف من طرف وليست نعمة حالّة على الجميع. لقد نجح بري في جعل اللبنانيين يعيدون اكتشاف طفولتهم. مثّل، لأيام، دور الأب الذي لا يُلام إذا لم يفِ لأن نيته صادقة، ولأن الذين يعترضون طريقه ليسوا من الذين يقدمون هدايا للشعوب. ثم عاد ونجح في إثارة حبس أنفاس على صعيد وطني في انتظار مؤتمر صحافي.