العرقوب ــ عسّاف أبو رحّال


مع حلول فصل الخريف من كلّ عام، “يدبّ الهمّ في الركب”، ويقف المواطن الجنوبي أمام فاتورة جديدة تشكّل عبئاً ثقيلاً يصعب تسديده، ويمتد لأشهر عدّة. وتتصدّر الأقساط المدرسية قائمة المدفوعات، تليها التدفئة المنزلية التي لا يمكن الاستغناء عنها، ثمّ المؤونة البيتيّة التي اعتادت عليها ربّات البيوت في المناطق الجبلية المعرّضة للعزل وانقطاع الطرق في فصل الشتاء.
وفي قرى مرجعيون وحاصبيا والعرقوب، يتوزّع الطلاب على المدارس الرسمية والخاصة، وفقاً للإمكانات المادية و“كل واحد همّو على قدّو”. وفي منطقة العرقوب، وتحديداً قرى كفرشوبا وراشيا الفخار وشبعا، يُعدّ العام الدراسي شاقاً على الطلاب الذين ينتقلون إلى مدارس خارج قراهم، ما يرتّب زيادة في النفقات، تضاف إلى الأقساط الشهرية. ويقول المواطن حسني هاجر من بلدة كفرشوبا: “إن انتقال التلامذة من القرى الجبلية الى مراكز الأقضية أمر شاق، وخصوصاً في فصل الشتاء، ومكلف لجهة زيادة النفقات المدرسية”. ورأى “ضرورة تفعيل دور المدرسة الرسمية ودعمها، وخصوصاً في القرى الحدودية التي طالها الدمار، منعاً لنزوح الأهالي مجدداً إلى المدن”.
ويتميّز فصل الشتاء في القرى الجبلية التي يزيد ارتفاعها على الألف متر بتدنّي درجات الحرارة إلى ما دون الصفر في كثير من الأحيان. لذا تعدّ التدفئة مطلباً لا يمكن الاستغناء عنه. ويقول المواطن مشهور العيسمي من بلدة ميمس: “إن حاجة المنزل من المازوت في فصل الشتاء يحكمها موقع البلدة وارتفاعها عن سطح البحر. وتقدّر على وجه العموم بسبعة براميل، ما يساوي 1500 ليتر، بتكلفة لا تقل عن مليون ليرة لبنانية؛ وتزيد هذه الكمية في القرى الأكثر ارتفاعاً مثل شبعا وكفرشوبا”.
ويوضح المواطن فارس حمدان من بلدة شبعا، المقيم قرب بوابة المزارع “أن مادة المازوت تستخدمها العائلات الميسورة لارتفاع سعرها. أما الحطب الأقل تكلفة، فتعتمده العائلات الفقيرة. ويحتاج المنزل الى ثلاثة أطنان من السنديان والملول، تقطع من الأماكن الحرجية والخاصة، الأمر الذي ينعكس سلباً على اتّساع رقعة الأحراج”.
أما الهم الثالث فيتمثّل بالمؤونة البيتية التي تضم أنواعاً مختلفة من المواد الغذائية التي اعتادت العائلات تحضيرها في مثل هذا الوقت من كل عام، وتشكّل “إهراءات” صغيرة باتت تراثاً متناقلاً تطلق عليه ربّات البيوت “شهر المونة”.
وتقول أم عصام: “اعتدنا منذ زمن على تحضير اللبنة والكشك والقورما ورب البندورة وغيرها من عشرات الأصناف الأخرى المصنّعة يدوياً والخالية من أية مواد كيماوية حافظة، وهذا الأمر يتطلب وقتاً وتكلفة تندرج ضمن إطار التحضير لفصل الشتاء والعام الدراسي”.
ثلاثة أمور هي مطالب ملحّة لا يمكن الاستغناء عنها في القرى الجبلية. أضيف إليها هذا العام دمار وخراب لحق بالعديد من القرى والبلدات جرّاء الاعتداءات الإسرائيلية. والمواطن الجنوبي المتمسّك بأرضه يقف اليوم وقفة تأمل فيها العديد من التساؤلات والمطالب، أقلّها تخفيض سعر المحروقات ليتمكن من تمضية أشهر الشتاء دون المساس بالثروة الحرجية.