ابراهيم عوض


رفض مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني اتهامات بعض القيادات والشخصيات السنية لدار الفتوى بالانحياز الى فريق دون آخر، وطالب أبناءه المسلمين بأن يحترموا رأي مفتيهم ولو كان مغايراً لرأي بعضهم في قضية أو أكثر.


لا يبدي مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ الدكتور محمد رشيد قباني تخوفاً من حدوث فتنة سنية - شيعية في لبنان «لأنه ليست هناك اسباب او مقدمات ظاهرة تدعو الى هذا التخوف» على حد قوله، وان كان لا ينفي تداول الحديث عن هذه الفتنة منذ اكثر من عشرة اشهر، والتي ينطلق منها لاستعراض المراحل التي قطعها «شبح الفتنة» قبل انكفائه بفعل وعي اللبنانيين ومناعتهم.
ويوضح المفتي قباني في مستهل حديثه الى «الأخبار»: «كنا في دهشة يومها عندما تناقلت وسائل الاعلام كلاماً لبعض المسؤولين يحذرون فيه من هذه الفتنة. ومع تتالي الايام والشهور ازداد الحديث عن الفتنة في مرحلة ما قبل الحرب الاسرائيلية على لبنان، واشتد خوف الناس اكثر من هذه الفتنة خلال الحرب».
وفيما يرى قباني ان لبنان قد خرج من هذه الحرب «اكثر عافية ووحدة داخلية بين ابنائه، يؤكد «ان اللبنانيين في مناعة كاملة من اي فتنة داخلية». كما يبدي اطمئنانه الى «مستقبل الوطن ومتانة وحدة شعبه الداخلية، خصوصاً بعد انكفاء اسرائيل وهزيمتها في الحرب على لبنان، اذ لم تتمكن من القضاء على المقاومة، ولا من ابقاء احتلالها للأرض اللبنانية باستثناء مزارع شبعا التي أُعطيت للحكومة اللبنانية ضمانات دولية في شأنها عبر القرار 1701، تمهيداً لانسحاب اسرائيل منها ومن تلال كفرشوبا وحلول قوات من الامم المتحدة محلها، على ان توضع بعد ذلك في عهدة الجيش اللبناني ليصبح في الامكان ترسيم حدودها».
الفتنة
ويعتبر قباني ان الفتنة السنية - الشيعية في العراق باتت «امراً واقعاً» لكنه لا يرى أي تأثير لها او انعكاس على الوضع اللبناني الداخلي متسائلاً: «ما علاقة لبنان، سنة وشيعة، بأن يتقاتلوا مع بعضهم بعضاً نتيجة الفتن التي وقعت وتقع في العراق بين الفريقين بتدبير من الأجنبي لإحداث مزيد من الارباك للعراق واغراقه في ما يسمونه «الفوضى البناءة».
ويرفض المفتي قباني قول بعض القيادات والشخصيات السياسية السنية بانحياز دار الفتوى الى فريق دون آخر، وفقدانها دور المرجع والحاضن والراعي لجميع ابناء الطائفة السنية، كما تبين اخيراً في موقف سيد الدار الداعم لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة، فيما اصوات أخرى تطالب بتشكيل حكومة اتحاد وطني.
«هذا غير صحيح» يقول مفتي الجمهورية اللبنانية مع ارتفاع بسيط في نبرة الصوت: «غير صحيح اطلاقاً ما يشاع من ان دار الفتوى لا تضم في رحابها ابناءها المسلمين جميعاً لمجرد ان مفتي الجمهورية يدعم بقاء الحكومة من اجل استقرار البلاد، كما ينادي ببقائها أكثر من مرجع ديني في طوائف لبنانية أخرى، ولأن التغيير الحكومي حالياً، ومهما كانت اهداف المطالبين به سامية في نظرهم، خطير ويهدد البلاد بفراغ كبير. وان أسوأ توقيت لهذا التغيير تزامنه مع انتهاء العدوان الاسرائيلي على لبنان. إذا اتخذ مفتي الجمهورية موقفاً وطنياً كهذا فانما يفعل ذلك حفاظاً على استقرار الوضع الداخلي، بدلاً من ادخال البلاد في متاهة تشكيل حكومة جديدة يتعذر في الوقت الحاضر تشكيلها حتى في ظروف عادية وطبيعية».
ويضيف: «لا محل لاي ادعاء بعد ذلك مهما كان مصدره باتهام دار الفتوى بأنها ليست لجميع ابنائها. فهل يعني كونها لجميع ابنائها ألا يكون لمفتي الجمهورية موقف وطني يراه محققاً للمصلحة الوطنية، وان كان يخالفه في هذا الرأي بعض ابنائه؟، وهل يراد ألا يكون لمفتي الجمهورية أي رأي في قضايا البلاد الوطنية؟ وماذا يضير المطالبين بالتغيير الحكومي اذا كان للمفتي رأي مغاير بعض الاحيان؟ وهل اذا كان موقفه مع المطالبين بالتغيير الحكومي يصبح قائداً وطنياً مساعداً في اهداف المطالبين بالتغيير، ويكون مرضياً عنه منهم حينذاك، في حين ان المراجع الدينية في الطوائف الاخرى لها مواقف في هذه المسألة اكثر تقدماً في المحافظة على بقاء الحكومة وعدم التغيير؟!».
وطالب المفتي قباني هنا «أبنائي المسلمين جميعاً، بأن يحترموا رأي مفتيهم ولو كان مغايراً لرأي بعضهم في قضية او أكثر»، متمنياً في الوقت نفسه «لجميع ابنائي المسلمين بجميع اطيافهم وآرائهم التوفيق لخدمة لبنان واللبنانيين»، آملاً منهم «ألا يكثروا الكلام واللغط في مرجعيتهم الدينية ويلاحظوا عدم تعرض الطوائف الأخرى لمراجعها الدينية، حتى لو خالفت آراء بعضهم. ولا داعي لذكر طائفة او اخرى في هذا المجال».
تشويه
ورفض المفتي قباني أيضاً ما يتردد من ان دار الفتوى، ولاعتبارات تتعلق بالمساعدات المالية التي تتلقاها من مؤسسات الحريري، تساير رئيس كتلة المستقبل النيابية النائب سعد الحريري وتدعم مواقفه كما فعلت في اعلان رفضها لتغيير الحكومة والإطراء على الرئيس فؤاد السنيورة، ويرد حاسماً: «هذا غير صحيح وانما هو تشويه من غير الراضين عن موقف مفتي الجمهورية بدعم بقاء الحكومة». ويوضح: «لم يسبق لي أن طالبت بتغيير حكومة او عدم تغييرها في فترة مضت. ولكن يلاحظ، كما هو مشاهد للعيان، ان هناك صراعاً خفياً وظاهراً من اجل قلب الاوضاع التي نشأت بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، واعادتها الى الحال التي كانت عليها ابان حكم النظام الامني السابق، والتي أدت الى اغتيال الرئيس الحريري». ويتساءل: «كيف يجوز لي أو لاي منصف ان يسكت عن الحقائق التي يشاهدها ويراها». ويشدد هنا على ان «مفتي الجمهورية سيد نفسه ومسؤول أمام الله عز وجل قبل أن يكون مسؤولاً أمام أي كان، مهما كان رأيه او شأنه من ابنائه الذين يحترمهم جميعاً وان اختلفت آراؤهم مع آرائه. وكم من مرة اسيء فيها الى مفتي الجمهورية من بعض الساسة ولم يتكلم في حقهم الا بكل خير».
وفيما لفت قباني الى ان الوطن «يمر اليوم امام مفترق طرق ومستقبل يغشى أفقه الضباب»، اعلن في موقف حازم «ان المفتي سيقول كلمته في كل مناسبة يرى فيها ان لكلمة الحق فيها مقالاً، فأن كلمة الحق لا تقدم أجلاً ولا ترفع رزقاً».
وعن رأيه في مشروع الشرق الاوسط الجديد الذي «بشرت» به وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس اعتبر المفتي قباني «ان اوضاع الشرق الاوسط الحالي، في العراق وفلسطين ولبنان ودارفور في السودان، هي نتيجة التدخلات الاجنبية والكيان الصهيوني المسمى اسرائيل الذي زرعه الاجنبي في فلسطين منذ عام 1948». وتابع: «ان اي نظام لشرق اوسط جديد سيكون اسوأ في اوضاعه الداخلية من الاوضاع الحالية الراهنة، ذلك ان الاجنبي في الحقيقة يعمل ويتدخل من اجل مصالحه وليس من اجل المصالح الوطنية لأي بلد عربي. كما ان الواقع العربي في مشاكله الداخلية واسبابها اكبر شاهد على ذلك. فليدع الاجنبي مخططاته جانباً، فالعرب ادرى بمصالحهم الوطنية الداخلية ومصالح بلدنهم مع دول العالم، ولأن اي تدخل اجنبي في رسم خريطة او سياسة بلاد العرب او ما يسمونه الشرق الاوسط القديم او الجديد سيضع المنطقة في دوامة جديدة لمصلحة اسرائيل وليس لمصلحة اي بلد عربي».
ويخلص المفتي قباني الى دعوة «جميع العرب وقادتهم الى اليقظة مما يحاك للمنطقة ولبلدانهم في هذا الاطار الذي لا تبعد اسرائيل كثيراً عن المشاركة في رسم مخططاته».