strong>من يدخل للمرّة الأولى إلى مارون الراس، بعد العدوان الأخير، تختلط عليه ربما معاينة الدمار وتمييزه بين قديم يشير إلى حقبة تعود إلى عام 1978، عام اجتياح الجنوب إلى الليطاني، وبين جديد استهدف معظم البلدة، إنما من دون أن يتحقق للمحتل ما أعلن عنه طوال فترة عدوانه: الوصول إلى الليطاني.


كامل جابر

توزّع التدمير العشوائي على أحياء مارون الراس من مدخلها قرب مثلث مارون، عيترون، بنت جبيل، مروراً بوسطها وساحتها القديمة، وصولاً إلى أقصاها الشمالي الشرقي، حيث لا يزال جنود العدو يتمركزون في أحد المنازل، بعدما أقاموا سواتر ترابية أمامه. ويستطيع قاصد البلدة نحو أطرافها الشرقية، أن يرى بالعين المجردة انتشارهم خلف هذه السواتر أو أمامها. ولم يترك هذا التدمير المتعمّد النادي الحسيني والبيوت التراثية القديمة، وعمود الإرسال التابع لتلفزيون المنار، وبعض المرابع السياحية.
ربما خلّف العدو هذا الحجم من الدمار في مارون الراس، تنفيذاً لسياسة عهدها أبناء البلدة المتواضعة، منذ احتلال فلسطين. ففي كل مرة كان الإسرائيليون يجتاحون المناطق الحدودية، كانوا يعمدون إلى دكّ بيوتها، وخصوصاً في اجتياح عام 1978، عندما حولوها أطلالاً بعد تدميرها عن بكرة أبيها. بيد أن ما يعزي أبناء البلدة، هو أن بلدتهم لقّنت الإسرائيليين درساً في التصدي والمقاومة، وما زال جنودهم يروون تفاصيلها ولحظات الرعب التي عاشوها في مارون الراس بعد اجتياحهم البري لها.
ويهمس مرزوق إبراهيم كرنيب، عن «صورة» ستبقى شاهدة على هزيمة الإسرائيليين في مارون الراس. فيقودنا إلى كرم زيتون قريب، لنرى قطعاً متناثرة لدبابة ميركافا مدمرة، عمد الإسرائيليون بعد إصابتها، إلى ردم معظم أجزائها، مع بعض الذخائر. وفي المكان نفسه جنازير، أجهزة، محرّك ضخم، إضافة إلى قطع كبيرة وصغيرة.
ويروي مرزوق كيف أن نحو 60 شخصاً، بين رجال ونساء وأطفال، ممّن صمدوا في الأسبوعين الأوّلين في مدرسة البلدة، «اضطرّوا بعد سيل القصف على الأحياء ومحيط المدرسة التي أصيبت مباشرة، إلى اللجوء إلى مركز المراقبين الدوليين في الجهة الشرقية من مارون الراس الذي لم يسلم هو الآخر من القصف مما تسبّب بإصابة أحد الجنود إصابة بالغة. وبعد خمسة أيام ونفاد الطعام والمياه من عند المراقبين، خرجنا مشياً على الأقدام وتوجهنا نحو تبنين، مروراً ببنت جبيل وكونين وبيت ياحون، بعد اتصالات من قوات الطوارئ لتأمين وصولنا من دون استهدافنا بنيران الإسرائيليين».
وكان الأهالي الذين يقطن منهم في البلدة نحو ثلاثمئة فرد من أصل نحو ستة آلاف، قد أوشكوا على افتتاح النادي الحسيني الجديد بعد تجهيزه، وهو البديل للنادي الذي دمر بالكامل في اجتياح عام 1978. إلا أن الغارات المتتالية عليه، دمرته ثانية ولم يبق إلا الركام المشير إلى أن ثمة مبنى كان هناك. وطاول التدمير هذه المرة نحو عشرين منزلاً تدميراً كاملاً، بينما لحقت الأضرار الجسيمة بمختلف البيوت والمسجد والطرقات الداخلية أو المؤدية إليها. ناهيك عما خلفه الجنود من شعارات وكتابات، أقلها تلك المشيرة إلى "خطر الموت" والرعب "القادم".
وما يترك بعض الأسى في نفوس العائلات التي عادت إلى القرية بعد توقف الاعتداءات، أن أحداً من جهات رسمية أو حكومية أو إنسانية، أو حتى محلية، لم يزر البلدة ويسأل أهلها عن أحوالهم واحتياجاتهم. فقط مؤسسة محسوبة على الأمم المتحدة أمنت لهم بعض الخيم ولوازم المطابخ "إنما يحتاج ذلك إلى أكثر من الخيم، نحتاج إلى الأمان وإلى انتشار الجيش في البلدة، حتى يمنع الدبابات الإسرائيلية التي تتقدم تحت جنح الظلام إلى مارون الراس وتعربد مما يجعلنا غير قادرين على المبيت فيها، وذلك تلافياً لاعتقالنا على نحو ما جرى إبان فترة العدوان، إذ تعرض العديد من الرجال والشبان للاعتقال والتحقيق معهم"، كما يقول مرزوق.
لا مياه أو كهرباء أو خطوط هاتفية في مارون الراس، ولن تتأمّن في الأسابيع القليلة المقبلة؛ وأكثر ما يقلق أبناء البلدة أن تبقى بيوتهم أطلالاً، كالتي تنتشر في مختلف الأحياء وتخبر عن عدوان عام 1978، وخصوصاً أن من لا بديل له عن السكن خارجها، لا يرغب في أن يظل إلى وقت طويل يعيش هاجس الدمار والعدوان. وذلك حتّى تبقى ذكرى هزيمة العدو في مارون الراس، لا هزيمة الأهالي في استرجاع بلدتهم وبيوتهم، ودولتهم.