strong>«إذا كانوا أحياء، نريدهم. وإذا قتلوا، نريد جثثهم»... هذا هو المشهد في ساحة جبران خليل جبران بعد قرابة سنة ونصف سنة على بدء اعتصام أهالي «المعتقلين» أو «المفقودين» في السجون السورية. «الأخبار» سألت أين أصبحت قضيتهم؟


غسّان سعود

قرابة سنة ونصف سنة مرّت على اعتصام أهالي «المعتقلين» أو «المفقودين» في السجون السورية. وما زال الأهالي داخل خيمتهم، في ساحة جبران خليل جبران، ينتظرون تَحَمُّل الدولة لمسؤوليتها تجاههم. وحيدين، بعد أن غادرهم شباب «انتفاضة الاستقلال» الذين تعهدوا في ميثاق «الانتفاضة» ألا ينهوا اعتصامهم المفتوح في ساحة الشهداء قبل معرفة مصير جميع المفقودين في السجون السوريةويؤكد الأهالي أن العالم كله بات يعلم بمأساتهم ويتفهّم قضيتهم. ولم يعد ينفعهم الشعر وعبارات التضامن والتعهدات الكثيرة التي يطلقها أمامهم المسؤولون السياسيون، وفي مقدمتهم رئيس الحكومة ووزراؤه. ويأسف الأهالي لتأكيد الوقائع أن الحكومة الحالية والأكثرية النيابية التي «قامت على منطق الانتقام من التعسف السوري خلال المرحلة الماضية، لم تقم بأي خطوة أو محاولة للتخفيف من معاناة الضحايا الحقيقيين لذلك التعسف».
ويأسف الأهالي لاستفاقة بعض الوزراء على قضية المفقودين اللبنانيين في عز الحرب الأخيرة، فاستعملوهم مرة جديدة وقوداً في المشاحنات الداخلية، حين سألوا عمّا يحصل لو اعتُمد الأسلوب نفسه الذي اعتمده حزب الله، لاستعادة اللبنانيين المعتقلين في السجون السورية. ويرفض غازي عاد، رئيس لجنة دعم اللبنانيين في السجون السورية ـــ سوليد، هذه الأفكار التي تبقي الملف الإنساني أسير التجاذبات. ويدعو إلى وضع قطار الحل على السكة الصحيحة عبر تأليف لجنة دولية للتحقق من مصير اللبنانيين المفقودين، أو محكمة دولية تلاحق موضوع المختفين قسراً. فبعد قرابة سنة من عمر «حكومة الاستقلال» المفترضة، لم يحصل أي تطور في الملفباستثناء تأليف لجنة لبنانية ـــ سورية، عقدت أكثر من اثني عشر اجتماعاً، ولم تُقدّم أي جديد، بسبب إصرار النظام السوري على أن ليس ثمة لبنانيون عنده باستثناء المصرّح عنهم، وربطه مسألة المفقودين بمعالجة العلاقات اللبنانية ـــ السورية، وفقًا لعاد. وكانت اللجنة القضائية السورية ـــ اللبنانية المشتركة المعنية بمتابعة ملف المعتقلين والمفقودين في البلدين تسلمت من وزير الداخلية السوري، قائمة تتضمّن أسماء 88 معتقلاً لبنانياً في السجون السورية ممّن وصفوا بأنّهم «سجناء جنائيون» محكومون بقضايا جنائية. لكنّه لم يسلّم أيّ أسماء، ولم ينف أو يؤكد وجود لبنانيين موقوفين في السجون العسكرية السورية.
ويسأل رئيس لجنة سوليد عن سبب تلكّؤ الحكومة اللبنانية في طرح هذه المشكلة على الأسرة الدولية، التي باتت تقصدها لحلّ الصغيرة والكبيرة. ويتّهم عاد غالبية النواب والحكومة والقضاء بتغطية النظام السوري عبر رفض اتخاذ أي خطوات عملية لإقفال الملف بشكل نهائي. والمطلوب اليوم، وفقاً لعاد، هو خطوة تنفيذية تتخذها الحكومة وتتمثل بالطلب إلى الأمم المتحدة تأليف لجنة دولية لإقفال الملفومن داخل الخيمة، حيث تتناوب الأمهات على النوم، سألت إحداهنّ: «إذا ماتوا فأين جثثهم؟ وأين قتلوا؟ ومن قتلهم؟». الجدير بالذكر أنّ الأمم المتحدة لم تتّخذ موقفاً جدياً إلا في شأن ثلاثة من هذه التوقيفات، وهي قضايا كل من طانيوس كميل الهبر، ونجيب يوسف جرماني، وجورج أيوب شلاويط. فطلبت من السلطات السورية تحريرهم. أما نقابة المحامين في بيروت فنشرت في نيسان الماضي لائحة غير شاملة، ولكن مفصلة، عن 98 لبنانياً معتقلين في سوريا. أما التقرير الأخير الصادر عن الخارجية الأميركية حول انتهاكات حقوق الإنسان في لبنان، فلم يتضمن سوى «سطر» واحد حول المعتقلين في سوريا، من أصل ثلاثين صفحة.
وعلمت «الأخبار» أنّ ثمّة محامين فرنسيين من أصل لبناني أعدّوا ملفاً قضائياً عن «المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية» سيُرفع إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. ويتضمن الملف معلومات وأسماء ووثائق وشهادات تؤكد وجود لبنانيين في المعتقلات السورية، وتتهم صراحة النظام السوري بالعمل على إخفائهم.
وكان الأهالي قابلوا خلال زيارة إلى سوريا في 22 تموز 2002، وزير الداخلية السوري علي حمود، ومدير السجون السورية بوغوص سراح. ووفقاً لرئيسة لجنة الأهالي، صونيا عيد، أبلغ سراح الوفد أمام الوزير حمود بوجود عناصر من الجيش اللبناني ومدنيين في السجون السورية. وعندما حاولوا العودة للاطلاع على اللائحة التي تعهّد سراح بإعدادها، مُنعوا من لقاء أي مسؤول سوري. اللافت أنّه لم يكن لدى منظمة سوليد سوى أسماء أربعة فقط من أصل 121 أطلقوا عام 1998. ومن أصل 46 سجينًا أطلق سراحهم عام 2000، لم تكن المنظمة تعرف إلا أسماء 12 منهم.
وسيوجه أهالي المفقودين، قريباً، نداء جديداً إلى اللبنانيين والأحرار في العالم، للتحرك والاعتصام أمام السفارات، وسط معلومات متضاربة عن تجهيز دعاوى فردية وجماعية ضد ضباط المخابرات السوريين الذين عملوا في لبنان، ورفع شكاوى إلى المراجع الدولية، ومعاملة المدعى عليهم كمجرمي حرب.
كما يسجّل على الحكومة اللبنانية والمجلس النيابي، عدم قيام مؤسسات الدولة بأي جهد لدعم اللبنانيين الذين أفرج عنهم من السجون السورية. لا بل إن بعضهم تعرض للاضطهاد، ولاحقته الأجهزة الأمنية، وأعاقت حصوله على أي فرصة عمل. ومعظم المحررين يعيشون اليوم أوضاعاً معيشية مأساويّة.


strong>صورة عن طلب إخلاء سبيل قدّمه الموقوف جورج يوسف داود أبو نكد إلى رئيس محكمة أمن الدولة بدمشق عام 1993. ويظهر توقيع مدير سجن تدمر العسكري موفّق محمود مصطفى.


من يعمل...ومن يعرقل؟
بدأ حزب الله، بعد توقيع وثيقة التفاهم مع التيار الوطني الحر، العمل لمعالجة ملف «المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية». وأوضح الحاج غالب أبو زينب، المتابع لهذا الملف من قبل حزب الله، أن الحزب جمع كل المعطيات المتوافرة، وغربلها، ووضع آلية متابعتها للوصول إلى نهاية مقنعة للجميع. لكن الأكثرية النيابية، بحسب أبو زينب، كانت تصر على التصعيد ضد سوريا بشكل يعوق إيجاد الأجواء البعيدة عن الاستفزاز والتوتر والسلبية. وأخّر العدوان الإسرائيلي على لبنان إيجاد الحل، لكنّه لم يسقطه. وكشف أبو زينب أنّ ما تحقّق حتى اليوم، بعيداً عن الإعلام، يعطي دفعة قوية إلى الأمام للكشف عن مصير المفقودين. وأكد أن الملف إنساني صرف، ويجب رفعه من البازار السياسي، لافتاً إلى أن الحزب لن يتأخر في معرفة مصير أي مواطن لبناني أينما كان، تحقيقاً لواجب أخلاقي ووطني، ومن دون انتظار أي كسب سياسي.

سأل... ولم تُُجب
وجّه النائب غسان مخيبر، عضو تكتل التغيير والإصلاح، سؤالًا إلى الحكومة في 13 نيسان 2006، لم تجبه عنه حتى اليوم. فالحكومة، بحسب مخيبر، محرجة، وترفض وضع الملف في سلم أولويّاتها. ويشير مخيبر في سؤاله إلى أنّ ثمّة أدلة وقرائن وشهادات كثيرة تفيد أنّ عدداً من المختفين قسرياً ما زالوا على قيد الحياة في السجون السورية. فـ«هناك ما يناهز الـ 640 استمارة موثّقة عن حالات الاختفاء القسري في السجون السورية».

رسالة أهالي المعتقلين إلى الأمم المتحدة
في السابع من آذار عام 2006، سلّم أهالي المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية ولجنة «سوليد» الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان، مذكرةً جاء فيها: «إنّ أهالي المعتقلين في السجون السورية ولجنة دعم المعتقلين اللبنانيين سوليد يشعرون بالأسى، لأن مجلس الامن الدولي لم يتطرّق أبداً إلى انتهاكات حقوق الانسان التي قامت بها القوات السورية في لبنان عموماً ولا إلى قضية المعتقلين السياسيين اللبنانيين في سوريا خصوصاً، علماً أننا نطالب الحكومة اللبنانية دائماً بإثارة هذا الموضوع مع مجلس الأمن الدولي. لقد مضى على اعتصام أهالي المعتقلين أمام مقر الأمم المتحدة في بيروت ما يقارب السنة، ولهذا الاعتصام الأهداف الآتية:
أولاً: على مجلس الأمن أن يعتبر انسحاب القوات السورية من لبنان استناداً الى القرار 1559 ناقصاً ما لم تحل قضية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية.
ثانياً: إننا نطلب من مجلس الامن تأليف لجنة تحقيق دولية تتمتع بكل الصلاحيات للنظر في مئات حالات الاختفاء القسري التي جرت على يد الاستخبارات السورية في لبنان... علماً أن بعثة الامم المتحدة التي زارت العاصمة السورية بين 11 شباط الفائت و18 منه برئاسة الممثل الاقليمي للمفوض الأعلى لحقوق الانسان في الامم المتحدة، لم تتمكن من تحقيق أي اختراق في ملف المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية. وأبلغت السلطات السورية الوفد أن قضية المعتقلين اللبنانيين هي جزء من رزمة المشكلات العالقة بين لبنان وسوريا...