نقولا ناصيف


في لقاء خاص، سجّل سفير دولة كبرى معنية مباشرة بالجدّ الأول لقرارات مجلس الأمن المتعلقة بلبنان، وهو القرار 1559 وانتهاءً بالقرار 1701، ملاحظة معبّرة، هي أنه لا يوافق القائلين إنه ينبغي لبننة «حزب الله» نظراً إلى تأثره العميق بإيران. بل ــ كما قال السفير ــ ينبغي أن تكون إيران إيرانية فحسب. بذلك لاحظ أن الجمهورية الإسلامية عارضت خطة البنود السبعة لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة ثم سلّمت بها بعد موافقة «حزب الله» عليها، كذلك الأمر بالنسبة إلى القرار 1701، لافتاً إلى مغزى ما يريد قوله، خلافاً لواشنطن، وهو أن إيران هي التي تتأثر بموقف الحزب في لبنان، لا العكس، وتترك له أن يقوّم الموقف الداخلي كي تدعمه فيه.
وأوضح السفير أمام محاوريه أنه يكاد يكون السفير الأوروبي الوحيد الذي يجتمع بمسؤولي الحزب وبالوزير محمد فنيش، ويصفه بأنه «كفيّ» في إدارة وزارته التي تدخل في برنامج المساعدات الأوروبية لإعادة إعمار لبنان بعد حرب 12 تموز. يحاوره قليلاً في السياسة، من دون أن يغفل وطأة التباعد بين وجهتي نظر الطرفين. يحمله ذلك أيضاً على تبرير موقفه بالقول إن دولته العلمانية لا تناوئ الشيعة كطائفة بسبب خيارات الحزب، بل تعاونت تاريخياً، ولا تزال، مع كل القوى اللبنانية وكل الطوائف، مع لفته الانتباه إلى أن ثنائية الدور الذي قام به الرئيسان نبيه بري وفؤاد السنيورة في المفاوضات التي مهّدت للقرار 1701 أبرزت موقعيهما الفاعل والتمثيلي. ولا يعني ذلك في رأيه أن «حزب الله» يحتكر تمثيل طائفته.
وقال لمحاوريه: «مساعداتنا تذهب إلى الذين يحتاجون إليها، لا إلى أولئك الذين لا يحتاجون اليها».
وعلى غرار ما يقول به السفير من أن مرحلة ما بعد 12 تموز هي غيرها قبله، يردّدها طرفا النزاع، ولكن كل على طريقته وتبعاً لاجتهاده في ما يريد أن يكون عليه لبنان وموقعه هو فيه بعد صدور القرار 1701 في 11 آب الفائت. وهما بذلك على أبواب مواجهة وتصفية حسابات سياسية ترتبت على مواقفهما إبّان الحرب الإسرائيلية الأخيرة. وبمقدار محاولة سفير الدولة الكبرى تخفيف وطأة التشنّج حيال مَن عدّ أنهم اتخذوا منفردين قرار الحرب بلا إجماع داخلي وبمعزل عن موافقة الحكومة اللبنانية، بدأ كل من قوى 14 آذار و«حزب الله» يعدّ عدّة انتخابات رئاسة الجمهورية التي تدخل في مهلتها الدستورية بعد سنة، في 24 أيلول 2006، انطلاقاً من مشكلة مؤجلة الانفجار هي الحكومة الحالية.
وقد لا يكون سهلاً الاعتقاد بتحقق هدف كهذا في المدى المنظور في ظل معطيات ترتبط بأحداث وبأبطالها في الوقت نفسه:
1 ــ أن طرفي النزاع، إذ لا يخامرهما وهم تنحي الرئيس إميل لحود قبل نهاية ولايته الممددة، يقفان على طرفي نقيض من أهلية الحكومة للإشراف على انتخابات الخريف المقبل. والأحرى أن المشكلة ستكون أكثر تعقيداً إذا أخفقا في التفاهم على رئيس جديد للجمهورية يكرّس سلفاً تأمين نصاب ثلثي أعضاء مجلس النواب كي يتسنى له الالتئام. ويعني ذلك أن الرئيس المقبل سيُنتخب من الدورة الأولى للاقتراع في ظل هذا التفاهم وفي ظل اجتماع 86 نائباً على الأقل.
أما ما خلا ذلك، فلن يقبل الفريق الشيعي والرئيس ميشال عون ما يهدد به فريق الغالبية وهو توريث حكومة السنيورة صلاحيات رئيس الجمهورية عملاً بالمادة 62 من الدستور متى شغر المنصب، حتى لا يكتمل عندئذ الانقلاب السياسي، وإن من دون موافقة الشيعة على ذلك.
2 ــ أن الأفرقاء الثلاثة المعنيين بالضغط لاستقالة الحكومة يلتقون ضمناً على هذا المطلب، ويختلفون على توقيته. فالرئيس نبيه بري يبدو متأخراً عن شريكيه الآخرين، عون و«حزب الله»، في المطالبة باستقالة الحكومة لأسباب جوهرية يعزوها، كما يُنسب إليه، إلى أن إسقاط حكومة السنيورة سيعرّض المساعدات التي ينتظرها لبنان لمواجهة نتائج حرب 12 تموز لخطر العدول عن إرسالها إذا فقدت الحكومة الحالية الغالبية التي تسيطر عليها في مجلس الوزراء، ونظراً إلى الثقة التي يمحضها إياها الأميركيون والفرنسيون، وخصوصاً لرئيسها الذي يشكّل بالنسبة إليهم صمام أمان المسار الذي تسلكه الغالبية في الإمساك بزمام السلطة.
أما «حزب الله» الذي يطالب بحكومة وحدة وطنية، فالأمر بالنسبة إليه، راهناً، لا يعدو أكثر من تسجيل موقف مبدئي حيال سلطة تنفيذية تفتقر إلى تمثيل مسيحي شعبي جدّي، وهو أعاد ترتيب أولوياته السياسية على نحو يبدأ بإزالة آثار ما ترتب على حرب 12 تموز وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للبنان. ولا يحجب ذلك ما يكشفه مصدر واسع الاطلاع في الحزب من أن الأخير أجرى تفاهماً مع عون على مقاربة كل منهما الموضوع الحكومي على طريقته، ووفق نبرته في انتظار الظروف الملائمة لإجراء تغيير حكومي لا يعرّض الوضع الداخلي لأي خضة أو خلل. وتفهّم عون وجهة نظر الحزب الذي يحرص على الظهور مظهر الفريق المؤيد للقرار 1701، وغير الراغب في عرقلة تطبيقه ولا دفع الوضع الداخلي إلى أي فوضى. لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى عون الذي يخوض جهاراً معركة إسقاط الحكومة.
3 ــ بمعزل عن الموقع الذي يشغله بري في الفريق الشيعي منذ انتخابات 2005، أضحى بعد الحرب الأخيرة، ومن خلال الدور الذي اضطلع به في المفاوضات التي مهّدت للقرار 1701 مع الأميركيين والفرنسيين والأمم المتحدة، الشريك الفعلي للحكومة ورئيسها في قيادة الحكم. وفي أبسط الأحوال عوّض الدور الذي افتقر إليه رئيس الجمهورية من غير أن يكون على الحياد. وخلافاً لواقع ما كانت عليه علاقة السنيورة ببري بعيد تأليف الحكومة في 19 تموز 2005، عندما أحجم عن التشاور الدائم مع رئيس المجلس وتجاهله في بعض التعيينات، متسلحاً بالفصل بين السلطات، وتسبّب ذلك بخلاف غير معلن بين الرجلين تنامت وتيرته بعد الزيارة الأولى لبري لدمشق في 7 أيار الفائت، واجه الرجلان معاً مفاوضات القرار 1701 لأسباب اتصل بعضها برغبة السنيورة في ألا يحمل وحده وزر هذه المفاوضات، والبعض الآخر بحاجته إلى مرونة بري في إقناع «حزب الله» في التجاوب مع بنود قرار مجلس الأمن.
ولعلّ المفارقة أن رئيس المجلس الذي كان في نظر أفرقاء 14 آذار والأميركيين والفرنسيين قبل انتخابات 2005 شيطاناً رجيماً، أمسى بعد 12 تموز ملاكاً رحيماً للجميع بعدما دافع عن إرسال الجيش إلى الجنوب، وعمل على تجاوز ما ينصّ عليه اتفاق الهدنة عبر توسيع نطاق عمل القوة الدولية، ونظم آلية المراقبة الدولية للشاطئ اللبناني وبعث الروح في حكومة باتت غير قادرة على التلويح بسيف الغالبية، وجعل الحكومة اللبنانية، لا «حزب الله»، واجهة التفاوض الذي أعدّ لصدور قرار مجلس الأمن.