ناصر شرارة

منذ الساعة الثامنة من صباح أمس، بدأ رئيس مجلس النواب نبيه بري اتصالات تشاورية، حول صوابية توجيه نداء يدعو فيه النازحين للعودة الى الجنوب. بعض الآراء نصحته بتأجيل هذه الخطوة، خوفاً على ما يتهدد حياة العائدين بسبب بقايا القنابل العنقودية في المناطق التي شهدت مواجهات بين الجيش الاسرائيلي والمقاومة. فتمهّل رئيس المجلس قليلاً لبعض الوقت في توجيه نداء العودة، مع ميل لتأجيله. ولكن اتصالاً بينه وبين حزب الله، حسم الأمر إيجاباً.
وتؤكد أوساط بري أن توجيه النداء أملته أسباب عدة، منها إظهار أن السبب السياسي الذي دفع النازحين للخروج من الجنوب هو ذاته الذي دعاهم للعودة، وهو الالتحام مع الارض والمقاومة. وقد تضمن نداء بري هذا المعنى. اضافة الى الرغبة في خلق واقع في الجنوب يعيد الوضع الى ما كان عليه قبل 12 تموز الماضي، ما يقطع الطريق على مسارات يخشى بري أنها تطبخ على نار هادئة. أهمها إطالة عهد النزوح لاستخدامه ورقة ضاغطة على الوضع السياسي الداخلي اللبناني، الذي يحضّر رئيس مجلس النواب للتداول فيه مع كل من رئيس تيار «المستقبل» النائب سعد الحريري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط في اليومين المقبلين، بحسب ما تقول أوساطه.
وكشف مصدر في قوات الأمم المتحدة أن عودة النازحين بهذه الكثافة الى الجنوب، بعد ساعات من إعلان وقف النار، أزعجت قيادة الجيش الاسرائيلي في الشمال، وذلك جعلها تتصل بقيادة الطوارئ في الناقورة لاتخاذ إجراءات لتقنينها على الأقل. وبحسب هذا المصدر فإن الجيش الاسرائيلي طرح سببين لتبرير تحفّظه عن عودتهم، الأول خشيته من أن يستغلها حزب الله من أجل إجراء تبديل في مجموعاته القتالية، والثاني استغلاله لإيصال التموين الى قواعده.
وردت قيادة الناقورة ان هذا الطلب جاء متأخراً لأن جحافل النازحين دخلت الجنوب. وبعد ذلك حاول الجيش الاسرائيلي التدخل للتأثير في حركة النازحين في اتجاه الجنوب، وحذرهم في بيان من العودة الى ما وراء الليطاني.
ويتابع المصدر نفسه ان الجيش الاسرائيلي ربما كان يتوخى ترك الجنوب ساحة عسكرية مغلقة حتى وصول قوة دعم الطوارئ، نظراً الى أسباب مختلفة أهمها أن قواته لم تستطع حتى الآن الوصول الى الجزء الأساس من المنشآت اللوجستية لمقاتلي المقاومة، الكائنة، بحسب رأيه، في وادي الحجير ووادي السلوقي ومنطقة شيحين وبعض الجبال الأخرى. وكان الجيش الاسرائيلي، بحسب التقدير في الناقورة، يرغب في إبقاء هذه المناطق مكشوفة لمراقبته، وهو الأمر الذي تعطله عودة الناس الى الجنوب.
ثمة أمر آخر أزعج اسرائيل من عودة النازحين، هو أن المستوى السياسي في اسرائيل لا يريد أن تبدو طريقة الانسحاب من الجنوب عام 2006 مشابهة لمشهد انسحابها من الجنوب عام 2000. فتنظيم العودة بحسب ما رشح من حديث بين قيادة الناقورة وقيادة الشمال العسكرية في اسرائيل، كان يجب ان يتم على نحو مجدول، وهو أمر رفضت قوة الطوارئ المشاركة فيه.
وختم المصدر أنه حتى ساعات ما بعد الظهر لم تكن قوة اليونيفيل في الجنوب تملك تقديراً لأعداد النازحين العائدين، رغم أنه يمكن القول بشكل أولي إن نسبتهم قاربت ربع عددهم الإجمالي.
وكان بري حضّ النازحين على العودة الى ديارهم «فمن وجد منزله عاد إليه ومن لم يجده فليثبت في أرضه وعند جاره حتى نتمكن من إعادة إعماره»، داعياً الى «مؤازرة الجيش واليونيفيل والوقوف صفاً واحداً مع المقاومة والشعب». وتوجه بالشكر الى «عاصمة الجنوب صيدا، وجبل لبنان، والمختارة، وبيروت، وكسروان، والشمال وعكار، ولكل سفوح هذا البلد العظيم، للاحتضان الذي لقيه أهلنا وأخواتنا وأمهاتنا وآباؤنا وأبناؤنا من الآلة العسكرية الجهنمية».