غسّان سعودلم يظنّ غالبية المتطوعين لإغاثة النازحين في ثانوية الأشرفية الثانية الرسمية أن هناك علاقة نشأت بينهم وبين العائلات التي احتضنوها منذ أكثر من شهر. لكن عيون ليال وعلاء ولودي وشربل ويمنى وزينون وجميع المتطوعين الآخرين، كانت تمتلئ بالدموع كلما قدمت إلى غرفتهم مجموعة لتبلغهم قرارها العودة إلى المنزل.


كثّف النازحون اتصالاتهم بالأقرباء والأصدقاء قبل أن يأخذ سكان الأوزاعي والبرج والضاحية مبادرة الإعلان عن تصميمهم على العودة. فوَضّبُوا الفرش التي قدّمت إليهم والثياب والحاجات الأخرى. وقبل أن يتوجه الرئيس بري برسالته إلى النازحين بضرورة عودتهم، كان معظمهم في ثانوية الجعيتاوي قد جَهَزَ للمغادرة. وعادوا ليجلسوا مكتظين في السيارات التي زاد حملها عمّا قدمت به، بضع فرش وعدة ربطات خبز وكراتين تمتلئ بالمواد الغذائية ومواد التنظيف وغيرها من المؤن التي أجبر المتطوعون "أهلهم على أخذها"، كما قالت يُمنى التي كان الحزن يغطي وجهها وهي تداعب شعر طفل اعتادت اللعب معه ومع رفاقه كل يوم ساعات عدة.
الأهالي العائدون إلى منازلهم كانوا يرددون أن "كل ما دمر لا يساوي دم شهيد"، "في صمودنا دمرنا جبروت إسرائيل"، و"احتضان اللبنانيين لنا كان مؤثّراً ولن يُنسى". وأكدوا أن الضاحية أثبتت معنى البطولة. وفيما كانت دموع الأطفال والأمهات النازحين تمتزج مع دموع المتطوعين وبعض الجيران، تبادلوا أرقام الهواتف والعناوين، على أمل استمرار العلاقة التي وصفها الباحث الاجتماعي فادي الحاج بأنها الأولى من نوعها في لبنان. إذ غالباً ما كان المسلمون ينزحون إلى مناطق مسلمة، والمسيحيون إلى مناطق مسيحية، وتخطى النزوح الأخير سمات التوتر والحذر، وخصوصاً أنه لم يُسجل على النازحين احتلال أي مبنى أو الإساءة إلى أي مواطن.
ولم يؤثّر نقص البنزين والأنباء عن زحمة السير في ثني النازحين عن إصرارهم على العودة. وقال أحد المتطوّعين في الحركة الاجتماعية إنّ أصدقاءه القوّاتيين يذكرون دعوات بعض قياديّيهم للبحث عن تسوية تخرج سمير جعجع من السجن. كما يذكر العونيون التذمّر من إصرار العماد عون على بقائه في المنفى حتى تغيّر الواقع اللبناني. وأنصار تيار المستقبل والحزب التقدمي الإشتراكي اختبروا تسويات عدة ضمنت استمرارهم في الحكم. لكن مجتمع المقاومة الذي تعرّف إليه مؤخراً بدا مختلفاً. فطوال شهر لم يتذمر أفراده من الحالة التي يعيشونها. وما إن أعلن وقف النار حتى هرعوا نحو بلداتهم من دون قلق مما ينتظرهم.
قرابة الساعة الواحدة ظهر أمس، توجّهت عائلة محمد الفقيه، الذي يعمل سائق أجرة، إلى منزلها في الأوزاعي. وقد أصرّ بعض المتطوّعين على مرافقتهم. طوال المسافة من الأشرفية ــ التي لم يكن أبناء أبي علي قد قصدوها سابقًا ــ إلى الأوزاعي التي ولدوا ونشأوا فيها، تحدث أفراد العائلة عن الناشطين الذين استقبلوهم، عن الحركة الاجتماعية والتيار الوطني الحر، عن الدمار اللاحق بمناطقهم، وعما ينتظرهم. وحين دخلت السيارة شارع النافعة، ساد هدوء شبه مطلق، وتنقّلت عيون أفراد العائلة ببطء أمام المتاجر والسيارات والبنايات. وفجأة اغرورقت عيونهم بالدموع، وصرخ جمال الطفل الأصغر الذي يبلغ الخامسة من العمر "ها هو منزلنا! لم يدمره العدو"، وغمر والدته التي كانت تبكي. وما إن توقفت السيارة حتى سارعت أم علي إلى احتضان جاراتها اللواتي سبقنها بالحضور إلى البناية. وعانقتها أم محمد وأعطتها مفتاح الشقة التي ائتمنتها عليها عند مغادرتها مع زوجها والأولاد بسرعة. وتداخلت التطمينات مع المعلومات عن الكهرباء والمياه والمحالّ التجارية التي عاد معظم أصحابها لفتحها أمس بعدما أقفلت أياماً طويلة. ولا يتميز الذين عادوا سالمين ولم تُصب منازلهم عن الذين أصيبوا أو تعرضت متاجرهم للتدمير، فالاثنان يمسحان دموعهما للدعاء إلى الله أن يحمي المقاومة وسيدها.