فاتن الحاجلم يكن التفاعل مع وقف النار واحداً في مراكز النزوح. فالحماسة حملت البعض على حزم أمتعتهم قبل سريان مفعول القرار، فيما انتظر آخرون مرور ساعات تحمل إليهم مزيداً من الحذر من غدر

عدوّ سبق أن جربوه. ولازم قسم ثالث محل إقامته «الجبرية»، لضيق ذات اليد وفقدان المأوى وسبل العيش في منزله. وهناك من ترقّب
كلمة من السيد تثلج صدره.


لم يكد حزب الله يعلن أنه سيؤمّن حافلات في ملعب فريج في زقاق البلاط لنقل النازحين إلى الجنوب، حتى تدفقت عشرات العائلات. لم يأبه الأهالي بما ينتظرهم هناك، المهم أنهم فرحون بالعودة المكللة بالعزة والنصر. فالمكوث تحت شجرة الزيتون أو نصب خيمة في أرضهم أهون عليهم من التشرد. هذا ما قاله حسين فقيه الذي حزم وأسرته الأمتعة عشية إعلان القرار، بانتظار من يُقلهم إلى معروب. يعلم حسين أنّ منزله بات ركاماً، وكذلك منزل أهله. تذهب الحماسة بـحسين إلى حدّ القول: «إذا وجدنا قذيفة قد ننام عليها، لأنّ لا بديل عن الرجوع إلى الأرض». ومع أنّ فادي عسيلي لم يتفقّد منزله في حاريص، يؤكد أنّ عودته نهائية، علماً بأنّه ورّاق، وليس لديه أي مورد ثابت، فـ«الرزق على الله»، على حد تعبيره.
مقابل الملعب تقع مدرسة مار يوسف الظهور التي شهدت نزوحاً معاكساً كبيراً. فقد عادت مئة عائلة من أصل 145 عائلة. وبدا مشهد العودة مؤثراً فامتزج الفرح بالدموع لفقدان أحبة اعتادوا رؤيتهم شهراً كاملاً. وتقول المتطوعة في المركز جوانا حديب: «عشنا لحظات جميلة، تعرّف بعضنا إلى حقيقة بعض، بخوفنا وفرحنا، وكونّا صداقات، حتى إننا طلبنا من بعض الناس أن يبقوا أسبوعاً إضافياً، كنوع من الفرصة، بعيداً من الخوف». وفي المركز، تتريث أسرة فايزة عواضة هذين اليومين كي تطمئن إلى العودة. فالعجلة من الندامة، تقول فايزة، ومن انتظر شهراً يستطع أن ينتظر يومين لاستبيان الأمور، وأسرة حسين مقشر، النازحة إلى بئر حسن من بيت ياحون تنتظر الخبر اليقين بالانسحاب الإسرائيلي ونزع كل الألغام والقنابل غير المنفجرة.
في مسرح المدينة، كان مقرراً أن يعقد اجتماع للأهالي لإعطائهم تعليمات حول التدابير والاحتياطات التي ينبغي اتخاذها. إلاّ أنّ جفناً لم يغمض لمعظم النازحين في المسرح الذين أمضوا ليلتهم أمام شاشات التلفزة، بانتظار طلوع الفجر حيث سارعوا إلى تفقد منازلهم في الضاحية، ولكن وعدوا بالعودة. غير أنّ إبراهيم عيسى من الشياح وصف الوضع بغير الطبيعي، ونحن باقون حتى تهدأ الأمور. فهناك لا كهرباء، ولاماء، ثم «إننا لا نستطيع أن نطمئن إلى إسرائيل». يذكر أن المسرح سيستمر في تنظيم النشاطات الترفيهية للأطفال، بناء على رغبة الأهالي. في ثانوية رينيه معوض، يوقّع المتطوعون على علم لبناني للذكرى، إحساساً منهم أنّه سيكون اليوم الأخير الذي يجتمعون فيه، بعدما خلقت الحرب وحدة حال بينهم. الثانوية لم تشهد عودة ملحوظة. فقد غادرت خمس عائلات من أصل 120 عائلة ولا سيما أن معظمها من الجنوب. يمكث إبراهيم المقهور في المركز حتى تفرج كما قال. فبيته متصدّع ومصلحته في الأدوات الصحية يومية، كما أنّ امرأته تعاني مرضاً مزمناً وتحتاج إلـى 110 آلاف ليرة شهرياً ثمناً للدواء، لذا فالبقاء خياره الوحيد.