بيسان طي

كانت الساعة الثامنة وعشر دقائق. وصل بائع الخضر يجرّ عربته. وقف قريباً من السفارة الكويتية عند المفرق المؤدّي إلى ثانوية البتول قرب طريق المطار. جاء بعدما لمح عشرات مصوّري وسائل الإعلام يتوجهون نحو الضاحية، وكان متأكداً من “أنهم سيأتون. سكان الضاحية سيعودون إليها. خلال دقائق سنراهم يصلون، وسيمرّون من هناحدس بائع الخضر لم يخطئ. مرّت الدقائق القليلة حين بدأت زحمة السير أمام السفارة. سائقون يمدّون أيديهم من الشبابيك، يسألون الشبّان الواقفين عند الأرصفة عن صور الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وصور للمقاومة.

عشرات السيارات والدرّاجات النارية بدأت تشقّ طريقها صباحاً نحو قلب الضاحية، ذاهبة إلى بئر العبد وحارة حريك والرويس والمعمورة والصفير وغيرها من الأحياء. بعض السكان أتوا حاملين أغراضاً يسبقهم شوق إلى المنزل بعدما دوّختهم عذابات النزوح. لم يكترثوا لتحذيرات الأقارب والنازحين الآخرين، لم يكترثوا للأمثلة الكثيرة التي أُعيدت على مسامعهم عن غدر الإسرائيليين وعن تنصّلهم من “المواعيد والالتزامات”. كان الشوق الى المنزل أكبر بكثير من أي خوف أو حذر ضروري. أو ربما هو مجرّد حنين إلى الضاحية. بعض “العائدين” أمس، كانوا يعرفون أنّ بيوتهم لم تعد موجودة، وأن القصف الإسرائيلي أحال الجدران التي حفظت ذكرياتهم دماراً.
أم حسن، كما جاراتها في بناية قرب سوق معوض، كانت تريد أن تسابق عجلات سيارتها. تحبس دموعها على من رحلوا وعلى الدمار الذي شاهدته في الضاحية، لتحتفظ لنفسها بحق الفرح في “لحظة لقاء البيت”. لم تنتبه أم محمد، كما لم تنتبه جاراتها، إلى أن روائح البارود لا تزال تسيطر على المنطقة. لم تلحظ أن الدخان لا يزال يتصاعد من بعض الأبينة المدمرة. دخلت منزلها “لتكحّل عينيها برؤيته قائماً”.
أم محمد لم تعد إلى منزلها كما أرادت، فالدمار المحيط به لا يسمح بعودة نهائية، فقامت فقط، ورغماً عنها، برحلة تفقّدية.
في الصباح، كانت رحلات العودة. حتى الساعة العاشرة، دخلت ضاحية بيروت الجنوبية آلاف السيارات. أما بعد الظهر، فكانت رحلات المغادرة.
ساعات في الضاحية جعلت عدداً كبيراً من السكان يدركون “الحقيقة البغيضة” كما سمّتها أم محمد. الأبنية المدمرة والدخان المتصاعد وروائح البارود والقنابل أو الصواريخ التي لم تنفجر، كلها عوامل تجعل العيش في محيطها أمراً خطراً جداً. ويحرص شباب ينتمون إلى حزب الله إلى لفت نظر السكان إليها.
محمد علامة، موظف في مستشفى الساحل ومنزله في حارة حريك قرب مجمّع تعرض للقصف وقرب مبان دمرت طبقاتها العليا، أكد أنه لم يغادر المنطقة، وكان ينام في المستشفى. أما عائلته فنزحت إلى سن الفيل، وستعود قريباً. روى “أنهم كانوا يرمون صواريخ بالأطنان”، وحين سألناه متى يعود سكان الحي قال: “تصريحات وزير الداخلية أحمد فتفت لا تشجع أحداً على العودة. آمل ألاّ يصدقه جيراني”.
في رحلات المغادرة، تنوّعت المحطات. قرب المجمع السكني الذي قصفته إسرائيل أول من أمس، تجمّع مئات يحيطون بعمال إنقاذ ورجال الدفاع المدني الذين كانوا يرفعون الأنقاض بحثاً عن أحياء، بعدما قال أحدهم إنه سمع صوتاً. كانوا يرفعون الأنقاض بأيديهم، ووراءهم شاب يسأل هل رأى أحدهم قريبه. وآخر يروي قصة الصبي هادي الذي جاء إلى دكانه ليشتري اللبن وحين بدأ القصف أراد أن يعود إلى أهله فأخذه صاحب الدكان في حضنه ومنعه من العودة، لكن هادي عاد بعد ساعات ولم يجد أبويه.
بعض مغادري الضاحية تجمّعوا عند “ضفتي” جسر المطار الذي تعرّض للقصف الإسرائيلي مرات عدة، ومدّوا أعلاماً لبنانية في الفراغ الذي أحدثه الدمار.
الضاحية لم تخلع رداء الحزن بعد، حي السلّم وحده شكّل استثناء، فهو استعاد نصف سكانه تقريباً، والآخرون سيعودون غداً، كان يردّد من لم يغادر الحي.