كامل جابر


خرجت سيدة من القليعة تحمل سلًّا من الزهر، تنثره على طليعة قوة الجيش التي عبرت قبل طلوع الشمس نحو ثكنة مرجعيون. هو المشهد عينه يتكرر في القليعة بعدما دخلت إلى مرجعيون، وثكنتها تحديداً «القوة الأمنية اللبنانية المشتركة»، في التاسع من آب 2000 بعد 25 سنة عجاف من الاحتلال الإسرائيلي المباشر للمنطقة الحدودية بأكملها، إذ كانت آخر مظاهر الشرعية في تلك المنطقة، في العام 1976 من خلال جيش لبنان العربي في حينه، الذي كانت ثكنة مرجعيون آخر معاقله، وانتهى وجوده بمجزرة ارتكبها العميل سعد حداد وزمرته في 26 ضابطاً وعسكرياً أعدموا ذبحاً، واحتلال الثكنة وتحويلها إلى مركز أساس لـ«جيش لبنان الجنوبي» لتدخل بعدها المنطقة في أتون دموي لم ينته إلا بدحر الاحتلال و«جيشه الجنوبي» وعملائه وتحرير الأرض والإنسان من رجسهما.
ست سنوات مع أسبوع من الأيام، الفارق الزمني بين وجه الشرعية المتسرب إلى المنطقة بناءً على نصيحة دولية، في حينه، التي كانت تقتصر على مخفر هنا ومركز أمن عام أو أمن دولة هناك، حتى في زمن الاحتلال، المندحر، استهلالاً للتحرير الذي يجب أن تعود بعده السلطة اللبنانية بمختلف قطاعاتها إلى المنطقة المحررة. فكانت صيغة «القوة الأمنية اللبنانية المشتركة» المؤلفة من عناصر من قوى الأمن الداخلي و«المكافحة» والشرطة العسكرية، في الجيش اللبناني، وبإمرة ضابط من وزارة الداخلية؛ ووجهها اليوم اللواء العاشر في الجيش اللبناني، العائد بعد عدوان كبير دمر البشر والحجر، وسبّب أكبر موجة نزوح قسري لم يستثن هذه «القوة الأمنية» التي أخرجها الاحتلال ذليلة من ثكنة مرجعيون، بعد تجريدها من سلاحها الخفيف، غير المتجاوز للبنادق الرشاشة، ثم لحق بها ليضربها بطيرانه، مسبّباً سقوط عدد من رفاق الموكب، من المواطنين «المحتمين» بصيغته.
يوم دخلت طلائع «القوة الأمنية المشتركة»، اختارت نقطتين أساسيتين في مرجعيون وبنت جبيل، وانطلقت من خلالهما في تنظيم دوريات على الطرقات الحدودية المتاخمة للخط الأزرق، وليس عليه في كثير من الأحيان، على نحو المهام التي كانت تقوم بها كتائب قوات الطوارئ الدولية التابعة للأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان؛ وكانت تتفرع من الخط الحدودي نحو قرى الداخل، ثم تعود، بعدما ثبتت ثلاث أو أربع نقاط «داخلية» برعاية «ثانية» للأمم المتحدة، كانت منطقة مزارع شبعا، خارج هذا الإطار. فمهمات الجيش هذه المرة، تتعدى هذا الروتين وهذه المهمات، بل ان رقعة انتشاره ستكون أكبر بكثير، من قرية إلى قرية، بحسب ما هو مقرر، وعلى طول الحدود، في داخل القرى وخارجها، وفي نقاط ثابتة متعددة، من المفترض أن تكون محمية بمعظمها، بغطاء من سلاح متطور يستطيع أن يتصدى لأي عدوان، بمؤازرة قوات الأمم المتحدة.
دخلت طلائع «الجيش» إلى الجنوب. لم يصادفها أي مظهر مسلح ــ لم يكن ظاهراً، أصلاً، في داخل القرى وشوارعها منذ التحرير في أيار عام 2000؛ حتى في النقاط التي كانت قريبة من الخط الأزرق أو من المواقع الإسرائيلية المطلة على الحدود اللبنانية. وليس على هذه القوة «الماسكة» للأمن في المرحلة المقبلة، أن تزيل الشعارات الحزبية، لأي فريق كان، لكونها خارج إطار السلاح. ومن الطبيعي أن تجد هذه القوة أرضاً «سهلة» لانتشارها، لكون هذا الجيش اللبناني، لم يكن في يوم من الأيام محلّ «استغراب» من أي فريق كان، وخصوصاً فريق المقاومة. بيد أن هذا الانتشار يحتاج إلى جهد استثنائي في وقت تحاول فيه القرى الجنوبية لملمة مجازر العدوان وهمجيته على مختلف الصعد، لتنعم قريباً بحماية «الشرعية» بعدما أمّن لها صمود المقاومة الانتصار والعودة.