مي مكارم

الحاج سلام في الدفاع المدني في صور، لم يهدأ منذ اليوم الأول للحرب الإسرائيلية على لبنان. لا يغلبه النوم ولا التعب ولا البربرية الإسرائيلية التي ضربت الرقم القياسي في حرب لم ير مثلهاإنها مختلفة تماماً عما مرّ علينا، بمجازرها ووحشيتها التي لا تتوقف. تضرب من دون أدنى تمييز، المقاومين المسلّحين والمدنيين العزّل”.
تاريخ الحاج سلام في العمل الإغاثي يعود الى عام 1980 حين كان يعمل في الدفاع المدني المقاصديّ في بيروت. وقد شهد مجازر مخيميّ صبرا وشاتيلا عام 1982، وكوثرية الرز والزرارية عام 1985 وحومين التحتا في الـ87 وقانا في الـ96 وقانا اليوم عام 2006.
في هذه المجزرة الأخيرة، كان الحاج سلام ينتشل جثثاً من تحت ركام بيت حين سمع بكاء طفل يخرق أذنيه والمدى.
في أحد جلول حقل بعيد، عثر على البكاء وصاحبه، “لو لم يُطلق الطفل أنينه لما عرفنا أنه حيّ ولما استطعنا أن ننقذه إذ قذفه الصاروخ أميالاً عن البيت”.
لكن فظاعة مجزرة مروحين تبقى متغلغلة في كيان الحاج سلام حتى انقطاع النفَس. كرقصة نار كانت أجساد الأطفال، والأولاد.
الناس يحترقون ويتلوّون كأقمشة تلوكها النار “ونحن عاجزون عن الاقتراب منهم لإنقاذهم إذ اصطادتنا المروحية وشرعت تقصفنا من دون هوادة نصف ساعة. وقبل أن تعود لإسقاط دفعة ثانية من الصواريخ، هرولت لالتقاط جثتين تفحّمتا”.
أما في بلدة معروب التي قصفت بشكل متواصل أياماً عدة، فلم يُسمح للحاج بدخولها وانتشال الجثث إلا في اليوم الرابع.
المبرّة في الضيعة تهدّمت وطمرت تحت حجارتها أماً وأولادها الثلاثة وأستاذ مدرسة.
يُفرغ الحاج سلام ذاكرة عيونه في كلام يتواصل “الشيخ حسين خليل وعائلته قصفته الطائرة فاصطدمت سيارته بحائط سقط عليها. استطعنا أن ننتشل جثث عائلته. لكن طائرات العدو أعادت قصفها.
بقي في سيارته خمسة عشر يوما قبل أن نتمكّن بحماية الصليب الأحمر الدولي، من قصّ السيارة وتقطيعها لننتشل أشلاءه مهترئة”.
الحاج سلام مقتنع حتى العظم بعمله كأكثرية العاملين في الدفاع المدني، “لا نعرف فيه أي حدود ولو ضحينا بأرواحنا”.
أب لثلاثة أولاد «متعلّقين» به كانوا يهاتفونه ليسألوه متى تفتح الطريق ليتمكّن من الــــعـــودة الى البيت.
أمنيته أن «يكون قدوة لهم وللناس. كالمقاومين بالسلاح، نقاوم خلال قيامنا بعمليات الإنقاذ، مرتكزين على العقل. فالذي يعمل بعاطفته في هذا المجال يضعف. لا يحتمل هذا العمل أي ضعف أمام المأساة».
يسمح الحاج سلام لعاطفته بأن تمرّ حين يعود الى المركز حيث يتعايش ووحدته «وصور مؤثّرة تتتابع كالفيلم الى أن أبكي».