إبراهيم الأمين


الدولة... الكلمة السحرية التي يستخدمها فريق الأكثرية في انتقاده للآخرين من خصومه. يتهمون حزب الله بأنه يريد بناء دولة ضمن الدولة أو خطف الدولة خارج “طموحات غالبية اللبنانيين”. ويتهمون القوى السياسية التي تشكل قوى 8 آذار بأنها تريد إعادة لبنان الى زمن الوصاية السورية التي تمنع قيام الدولة. ثم يتهمون التيار الوطني الحر بالانقلاب على “انتفاضة الاستقلال” والمضي نحو خيار اللادولة، لأنه ارتضى مقايضة مشروع الدولة برئاسة الجمهورية للعماد ميشال عون.. مع أن التاريخ القريب والبعيد أيضاً لا يحمل أي دليل على نجاح فريق الأكثرية في رسم صورة دولة متماسكة.
ومنذ وقت غير قصير، قرر فريق الأكثرية شن هجوم غير مسبوق على التيار الوطني الحر وقائده العماد ميشال عون، وحجة هؤلاء مركزة على جانبين: الأول أنه يشترط انتخابه رئيساً للجمهورية دون غيره شرطاً للتعامل السياسي معه. والثاني أنه وفّر الغطاء الذي كان يفتقده حزب الله داخلياً، متيحاً للأخير فرصة المناورة والوصول الى مرحلة اتخاذ القرار بالحرب الأخيرة. لكن فريق الأكثرية، أو معظمه على الأقل، يخشى العماد عون وتياره لأسباب عدة يصعب إخفاؤها بالكلام العام، واللازمة المملة المتعلقة بالرئاسة والرجل القادم من الجيش، وما الى ذلك من عبارات لا تعكس سوى الفهم الانتهازي لدى أقطاب الفريق الأكثري من الذين تعودوا تبعية جربوها ومارسوها مع السلطة السورية، ثم عادوا وأضافوا إليها إبداعات مع السلطة الأميركية ـــ الفرنسية القائمة حالياً في لبنان.
وكلما تقدم الوقت، وشعر أعضاء هذا الفريق بصعوبة الأمر، ازداد التوتر في خطابهم وفي سلوكهم، حتى باتوا الآن يركزون على أمر واحد، وأمر العمليات الموزع بينهم مفاده: “فلنحوّل ميشال عون الى إميل لحود آخر”. وفهمهم للأمر أنه ينبغي عزل الجنرال مسيحياً ثم عزله لدى بقية اللبنانيين، وأن هناك من يساعدهم من الدول الغربية التي قررت مقاطعة عون أو “إهماله” بحجة أنه خارج السلطة، أو بحجة أن تحالفاته الجديدة ولا سيما مع حزب الله، لا تؤهله لعلاقة جيدة مع باريس وواشنطن.
وفي الآليات المباشرة التي لجأ إليها هذا الفريق أخيراً، القول إن ابتعاد عون عن السلطة يحرم تياره والمناصرين فرصة الإفادة من السلطة، وإنه لا يستطيع فريق خارج السلطة إلا أن يخسر قسماً من شعبيته جراء فقدان الخدمات. وإن تحالف سعد الحريري ووليد جنبلاط ضغط بقوة على رئيس الحكومة فؤاد السنيورة وبعض الوزراء، ولا سيما وزارة الداخلية، لتوظيف العشرات من المسيحيين المحسوبين على “القوات اللبنانية” أولاً وعلى شخصيات من “قرنة شهوان” ثانياً.
ومع أن الأمر لم يؤدّ الى نتائج استثنائية بسبب الضعف الفعلي في منح مسيحيي السلطة “قوة دفع”، إلا أن هؤلاء لجأوا الى إطلاق حملة سياسية على عون وفريقه تحت عنوان أنه انتقل الى العمل في “الفلك السوري ـــ الإيراني” وأن الأمر يتجلى في قبوله تحالفاً مع حزب الله من جهة، وفي إقامة علاقات مع حلفاء سوريا مثل سليمان فرنجية وطلال أرسلان وبعض الأحزاب السياسية، علماً بأن هذا الفريق يعرف، كما بقية اللبنانيين، أن عون الذي كانت تربطه بالمحور الأميركي ـــ الفرنسي علاقات قوية، لم يلجأ الى جعلها تتحول الى علاقة تبعية كما هي حال فريق الأكثرية، كما أن علاقاته بحلفاء سوريا بما في ذلك حزب الله لم تجعله ضمن هذا الحلف، حتى إنه قد يكون التيار الوحيد في البلاد الذي يتخذ موقعاً خارج هذين المحورين، وهو الأمر الذي أتاح له استقلالية تجعل نقاشه مع الأكثرية صعباً ومؤلماً كما تجعل الآخرين أكثر دقة في التعامل مع الملفات المشتركة معه.
وليس مصادفة أن التفاهم القوي الذي قام بين التيار الوطني الحر وحزب الله لم يتحول بعد الى تحالف من النوع الذي يفرض على حزب الله الخروج من الحكومة وعدم الدخول الى أخرى إلا بالاتفاق مع عون، علماً بأن تطورات المرحلة الأخيرة، ولا سيما ما جرى خلال العدوان الإسرائيلي، جعلت حزب الله في مناخ قيادي وقاعدي أكثر توقاً الى علاقة تحالفية مع العماد عون، الى درجة أن أحد القياديين البارزين في حزب الله قال معلقاً على أجواء العلاقة بين الطرفين بالقول: “ربما هي المرة الأولى التي لا نخشى فيها المسيحيين”. أكثر من ذلك ردّد أحد كوادر المقاومة أن المقاومين لم يشعروا، خلال أيام العدوان الإسرائيلي، بأنهم “يواجهون خطراً داخلياً في قرى الشريط الحدودي المسيحية” بل حرصوا بقوة على تجنيب هذه البلدات أي تاثيرات أو انعكاسات عسكرية من خلال الابتعاد عنها، ولم يكن مصادفة أن قوى من فريق الأكثرية كانت ترغب في أن يحصل مكروه ما في هذه القرى لتحريض الشارع المسيحي على المقاومة، ودفع هؤلاء الى النزوح، وهو ما لم يحصل إلا في مرجعيون عندما “تخاذلت” قوى الأكثرية وجعلت القوة الأمنية تجبر المواطنين في تلك البلدة والنازحين إليها على المغادرة والتعرض لمجزرة على الطريق.
في ملف رئاسة الجمهورية بدأ فريق الأكثرية يشترط على عون أن يسحب ترشيحه أولاً، وأن يقبل بترشيح غيره من غير دائرته، ثم جرى العمل على إقناع الكنيسة باتخاذ موقف سلبي من العماد عون كمرشح للرئاسة، واتخاذ موقف سلبي من تياره باعتباره يريد وضع المسيحيين رهينة عند الآخرين، مع استرجاع هؤلاء لكل ماضي العلاقة بين التيار الوطني الحر والبطريرك الماروني نصر الله صفير، ثم باشروا خلال فترة العدوان حملة مركزة للإيحاء بأن عون “يعتمد سياسة تعاكس الروح الجماعية للمسيحيين”، ويرفضون اتهامهم بالتبعية من خلال القول إن فريق الأكثرية “أخذ شعارات الجبهة اللبنانية وهو يعمل عليها وإنه لا يمكن اختيار رئيس للجمهورية من خارجه” فيما “رمى عون بنفسه في أحضان السياسة التي كانت معتمدة من خلال فريق الحركة الوطنية سابقاً والتي يمثل حزب الله وحلفاء سوريا امتداداً لها”.
لكن هذا الفريق الأكثري، بمسلميه ومسيحييه، يتجاهل عمداً نتائج الانتخابات الأخيرة، ويرفض تقبل فكرة أن المسيحيين أجروا مراجعة شاملة أفضت بهم الى القبول بتيار ينسف التركيبة التقليدية التي استولت على الشارع المسيحي وخطفته فترة طويلة، وأن هذا التيار فتـــــح “كوة كبيرة” في الجدار الطائفي الذي جعل المسيحيين، والمسلمين أيضاً، في مكانين لسنوات طويلة، وبهذا المعنى يبدو الفريق المسلم في الأكثرية أكثر امتعاضاً لأن العلاقة بعون تفرض علاقة بفريق قادر على التسرب خارج طائفته.. أليس أمراً مزعجاً لوليد جنبلاط وسعد الحريري وسمير جعجع أن يصبح عون شخصية شعبية عند غالبية الشيعة وعند قســـم ولو صغـــــيراً من الـــــسنة والدروز، وهو أساساً يحتل مركز الصدارة عند الجمهور المســـيحي؟