الدمار مشهد يتكرر في مختلف قرى الجنوب, لكن إرادة الصمود دفعت بالمواطن محمد ياسين الى نصب خيمة متواضعة على أنقاض منزله تعبيراً عن رفضه للتهجير وأملاً بخطة إعمارية سريعة تعيد إليه منزلاً يقيه صقيع الشتاء

عساف أبو رحال

لا يختلف المشهد الجنوبي بين قرية وأخرى على امتداد الشريط
الفاصل عن الخط الأزرق، فالدمار والخراب عنوان عريض وقاسم مشترك ألقى بثقله مجدداً على أهالي القرى والبلدات، في وقت تطالب فيه شريحة واسعة منهم بتعويضات عن أضرار لحقت بمنازلها خلال فترة الاحتلال وما سبقها من اعتداءات.
وينسحب واقع الحال هذا على غالبية قرى القطاع الشرقي في جنوب لبنان التي تقف على أبواب الشتاء، الأمر الذي يدفع بالأهالي للتساؤل عن مدى جدية الدولة في تقديم المساعدات وفق برنامج شفاف يندرج في إطار خطة شاملة لإعادة الإعمار بعيداً من الاستنسابية والمحسوبيات.
في بلدة دير ميماس ألحق القصف المدفعي أضراراً بنحو 73 منزلاً حسب إفادة الأهالي الذين استنكروا بشدة الاعتداءات التي طالت «دير ماما» القديم الواقع على كتف الليطانيوفي بلدة كفركلا وصف أبو حسين نجيب حلاوة الأجواء بأنها هادئة وهو لم يغادر البلدة، بل التزم الصمود طوال فترة الاعتداءات، وقال: «قوات الاحتلال لم تدخل البلدة بل اعتمدت طرقاً جانبية عن الأطراف متخذة من القصف المدفعي وسيلة تدميرية ألحقت أضراراً بالمنازل، واليوم تشهد البلدة عودة لافتة للأهالي الذين نزحوا عنها». هناك منازل عدة بحاجة الى إعادة ترميم لذا نطلب من الدولة الشروع في خطة إعادة الإعمار وتقديم المساعدات إلى الأهالي قبل حلول فصل الشتاء».
في العديسة يختلف المشهد مع ارتفاع بورصة الاعتداءات التي ضربت وسط البلدة مخلّفة دماراً كبيراً قرب الساحة العامة حيث أطلقت البلدية بالتعاون مع الأهالي حملة نظافة شملت شوارع البلدة لإزالة آثار العدوان. يقول مختار البلدة خليل سرحان: «وسط هذا المشهد من الدمار الكبير نناشد المسؤولين أن يتصرفوا بجدية وأن لا يطلقوا وعوداً كاذبة».
وفي بلدة الطيبة التي كانت محور المواجهات مع الاحتلال الإسرائيلي، بدت الأحياء السكنية التي تعيش صمتاً مطبقاً وكأنها تعرضت لزلزال طال غالبية منازلها وخصوصاً عند الساحة العامة وما يعرف بمشروع الطيبة.
والى قرية دير سريان المجاورة التي لا يختلف المشهد فيها كثيراً وإن اختلفت الرؤية الميدانية للتدمير الهمجي، هناك على مصطبة ضيقة أمام منزل متواضع جلست أم يوسف مع بعض أحفادها منهمكة في شك أوراق التبغ متناسية ما حولها، لعلمها بأن الموسم تضرر من الاعتداءات وهي تسعى جاهدة إلى جمع ما أمكن كونه المصدر الوحيد لعيش ألوف العائلات الجنوبية، وقد سألنا أم يوسف عن أحوالها فقالت: «أنا لا أعرف في السياسة وحالنا مثل أحوال كل الجنوبيين الذين حاول العدو الإسرائيلي تهجيرهم لتدمير منازلهم لكنه فشل بفضل الشباب المقاومين».
وفي قرية القصير أوضح المواطن حسن سعيد أن فراغاً كبيراً يخيم على القرية، ثلاثة منازل فقط مأهولة من أصل 20 منزلاً. وفي بلدة العديسة استوقفنا المواطن كمال رحال وقال: «الجنوب لم يعرف الاستقرار منذ الانتداب وهو شاهد على الأحداث والاعتداءات الإسرائيلية قبل وجود المقاومة، نحن هنا في القرى الحدودية لم نشعر يوماً بأن هناك دولة قوية قادرة على حماية الجنوب ودعم أهله، فالطبقة السياسية التي اعتدنا رؤيتها صباحاً ومساءً طوال 30 عاماً وأكثر حان وقت التخلي عن كراسيها لأن تجربتها سيئة».
وفي مرجعيون حيث مقر قيادة اللواء العاشر توزع عشرات الجنود عند الساحة العامة ومحيطها وعملوا على إزالة مخلفات العدوان فيما أقام آخرون حاجزاً عند مثلث تل النحاس، وعلم بأن فريقاً هندسياً باشر بنزع الألغام في محيط معتقل الخيام ومساحات أخرى حول البلدة.
وفي عريض دبّين أقام المواطن محمد ياسين على أنقاض منزله المدمر خيمة لعائلته وأخرى لوالديه كون الأوضاع المادية غير ميسورة وهو لا يرغب في النزوح والإقامة في منطقة أخرى. وقال: «كل الحقد الإسرائيلي حل على بلدة دبين ومحيطها طوال أيام العدوان من الغارات الجوية المتواصلة لكن هذا لم يمنع الأهالي من العودة والصمود فوق أطلال منازلهم المدمرة. هذه الخيمة المتواضعة تعبير عن صمود أهالي الجنوب ولا تقل أهمية عن المسار الديبلوماسي.