لا شكّ أنّ ما كان يوصف بالشارع الوطني قد انقلب رأسه على عقبه في العملية السياسية المتسارعة خلال العام المنصرم. لكن، مع بداية العدوان الإسرائيلي على لبنان، بدأت التحوّلات تظهر في طرابلس. تحوّلات كانت تزداد حدّة كلّما تقدّمت حال الصراع والصمود، وكلّما صدقت المقاومة في وعودها.

طرابلس- نقولا طعمة

قبالة جامع عمر بن الخطاب في الميناء، بسط محمّد نشار عدّة بيع القهوة العربية، والنارجيلة. وثبّت تلفزيوناً يدوياً يعمل على البطارية، تدلّت فوقه لمبة نيون، وتحلّقت حوله مجموعة من زبائنه الأصحاب، منهم من يتناول القهوة، أو الشاي، أو ينفخ في النارجيلة. كانت الشمس تؤذن بالغروب عندما بدأ صوت قائد المقاومة يتصاعد موجّهاً رسالة عبر التلفزيون. وما إن أطلق نصر الله تهديده بقصف حيفا، حتى هبّ الجميع هاتفين مصفّقين ومردّدين: «بدّو يعملها. ما وعد بشي إلا نفّذه». ويتابع نصر الله كلمته، ويتوعّد، فيقول بعضهم: «سينفّذ ما يقول فور الانتهاء من كلمته. الله ينصرك يا نصر الله. ما إلنا غيركوعندما يصل نصر الله إلى ختام الكلمة، مشيراً إلى قصف البارجة، يلتهبون، ويتعالى الصراخ والهتاف: «الله أكبر. ما في غيرك عند العرب. أنت قائدنا جميعاً». وتتصاعد الألعاب النارية في أنحاء مختلفة من المدينة ابتهاجاً، وتنطلق السيارات فاتحة أبواقها، فرادى وأرتالاً، حاملة أعــلام المـــــقاومة، وشــــــعارات إســـــلامية.
يتكرّر المشهد عند محمّد النشار كل مساء. وبين الفينة والأخرى، يظهر خبر عاجل على الميكرو ــ شاشة. يقترب محمّد، ويقرأ بصوت مرتفع كي يسمع الجميع: «قصفت المقاومة بارجة جديدة قبالة صور؟»، يغلي دم الشباب، ويصرخون معاً: «الله أكبر. الله ينصرك يا نصر الله». بعد قليل، يعاود محمّد قراءة خبر جديد: «تدمير رتل من الدبابات الاسرائيلية في مرج بنت جبيل». ثمّ يقرأ: «سقوط 14 قتيلاً من الجيش الإسرائيلي في تحطّم طائرة». يتصاعد الهتاف من جديد، ويقول البعض: «هذه مقاومة بطلة. أين الدول العربية؟».
بعد قليل، ينادي محمّد: «على أونا. على دوّي. على تري. من يريد أن يشتري طائرة أباتشي؟» يقول فيصل: «بألفي ليرة». يزايد رامي: «بألفين وخمسمئة». يسكت الجميع، فيقول محمّد: «من يزيد». يردّ عبود: «لا تستأهل أكثر من ذلك!».
يتابع محمّد: «الآن الـ أف 16. ثلاثة آلاف ليرة. من يزيد؟»، ثم يأتي دور الميركافا والبوارج، وسواها من الأسلحة التي أسقطتها المقاومة.
ويستمرّ الحال على هذا المنوال حتى ساعات الفجر الأولى، وفوج من الشباب والرجال يُستبدل بفوج آخر، فيما محمّد يقرأ العاجل من الأخبار. وعندما تتوقّف الأخبار الجديدة، يعود إلى المزايدة على طريقة بيع السمك التي كانت تجري على مقربة منه يومياً، وتوقفت في فترة تصاعد العمليات العسكرية.
على الكورنيش الميناوي يتوافد الكثيرون من أبناء المدينة للاستجمام، لجماله ومجانيته. أما عصر ذاك الجمعة، فلم يكن المجيء للاستجمام حصراً. وبدلاً من التهادي على الرصيف، شخص الكلّ بأنظارهم إلى البحر، ومنهم من أحضر «ناضوره» لرؤية البوارج الإسرائيلية التي قيل آنذاك إنّها في مياه الميناء، وراحت الأيدي تشير من دون خوف إلى خيالات بوارج.
أحد الهواة كان يحمل صنارته، ويمارس هوايته في صيد السمك، ويتفرّج. «ألا تخاف من هجوم البوارج؟»، يردّ: «أتمنّى أن يأتوا لأقتلهم. أنا لا أخافهم».
وفي منطقة باب التبانة، حيث قاعدة تاريخية داعمة للمقاومة اختطفت في العام المنصرم بعد اغتيال الرئيس الحريري، لا يستطيع حدّاد السيارات أحمد العلي المعروف، بالبزبيني، لجم حنينه إلى ماض دفعت منطقته فيه أثماناً باهظة. يقول أحمد: «وصلنا أخيراً إلى مبتغانا بالنصر للمرة الأولى. كلنا هنا مع المقاومة. لا نفرّق هنا بين المذاهب والطوائف. ما يهمّنا هو قتال اسرائيل، ورحيل الأميركان عن هذه البلاد، وإلاّ فلن نرتاح».
من ير إلى الناس في طرابلس يدرك أنّ لحظة الاختطاف التي انتابت كثيرين منهم لم تكن إلا لحظة استثنائية. ويدرك أيضاً كم كانوا توّاقين لنصر افتقدوه. فالهزيمة، كما الفقر والجوع والتعتير، كانت هي السبب في انقلاب «الشارع الوطني» رأساً على عقب في لحظة معيّنة.