ثمة رسالة واضحة ترسلها الأيقونة المرفوعة فوق مذبح كنيسة سيدة البحار المارونية في مدينة صور، هي الإشارة إلى ترابط تاريخي بين قدم المدينة والوجود المسيحي فيها. ففي الأيقونة قدّيسو صُور يتلون صلواتهم تحت قوس النصر الروماني الذي لم يزل قائماً إلى يومنا هذا. لم تأت الأيقونة عن طريق المصادفة، بل هناك سعي لدى الكنيسة المارونية من أجل تعزيز هذا الترابط «ليكون التاريخ في خدمة الدين مقابل أن يعزز الدين القيمة التاريخية للمدينة وآثارها» بحسب المونسنيور شربل عبد الله، النائب العام لأبرشية صور المارونية.

ولهذا الهدف، مولت الكنيسة وأشرفت على عمليات التنقيب عن الآثار في الباحة الغربية لكاتدرائية سيدة البحار. ويقول الاب عبد الله: «كشفنا عن طبقات اثرية متعددة. في الطبقة الأولى، وقعنا على آثار عثمانية حديثة من خزان وما يتبعه من مستلحقات، لكن في الطبقات الاعمق وصلنا الى آثارٍ رومانية: طريق تصل اطراف الشارع ببعضها وتطل عليها غرفتان تعودان إلى القرن الثاني بعد المسيح، تأريخ مستنتج من طريقة تقطيع وبناء الحجارة المتوازية من حيث الحجم. وما يعطي لهاتين الغرفتين اهميتهما هما الجدران المرتفعة المحافظ عليها وارضيتهما التي لا تزال سليمة. وترجح معلومات خبراء مديرية الآثار، الذين تابعوا أعمال الحفر والتنقيب وأشرفوا عليها، أن الغرفتين تضررتا في الهزة الأرضية التي ضربت صور بداية القرن السادس «لذلك وجدنا آثار حريق».
لكن الآثار الأقدم والأهم، بنظر عبد الله، هي الهيلّينية اليونانية، التي تعود إلى القرن الرابع أو الثالث قبل المسيح، فالحجارة كبيرة من حيث ترتيبها، وبقيت منها القواعد التحتية. وعثر كذلك على مجموعة من أنصاف الأعمدة وعلى جرار وفخاريات مختلفة العهود.
ويشير علي بدوي، المسؤول عن مكتب المديرية العامة للآثار في صور ومنطقتها إلى أن «المبنى المكتشف في حفريات الكابيلا، وهو من أقدم الآثار المكتشفة في مدينة صور». ويرجح أنه كان على ارتباط بالمرفأ «ربما كانت هذه الغرف جزءاً من المخازن أو ما شابه، وكانت قد تعرضت للحريق وردمت ثم أعيد البناء فوقها. وفي طرف المنطقة التي تم حفرها وجدنا بقايا اعمدة وواجهة بناء كان يعبر شارعاً بقربها، ربما في الفترة البيزنطية كان هناك مبنى كبير يغطي كل هذه المنطقة. لكن تحديد مكان الحفرية بالباحة الخارجية، بسبب تلاصق مبان حديثة به، منع التوسع لتحديد الاستعمال التاريخي لهذه الغرف». بدأت الحفريات الاثرية على الموقع سنة 2005. أما بناء الكنيسة الصغيرة من حولها فكان عام 2008. وقرر القيمون على الكنيسة في الآونة الأخيرة فتح أبواب الكاتدرائية أمام السياح المحليين والأجانب من ضمن برنامج يهدف الى تعزيز دور الكنيسة المارونية في صور من جهة، والاشارة إلى أهميتها التاريخية وامتداد جذورها من جهة أخرى. لذا، يشرح الأب عبد الله «بأن بناء الكنيسة الصغيرة او الكابيلا جاء ليتوافق مع الموقع الاثري الذي هو القيمة المضافة إلى مشروعنا. لذا اتت كل التصاميم انطلاقاً من خصوصية وجمالية وتاريخية هذه الآثار، وأتى العمل بالتنسيق مع المديرية العامة للآثار».
ولا يزعج أرباب المشروع عدم وجود صلة بين الآثار المكتشفة وتاريخ الكنيسة المارونية عامة، وفي صور خاصة. لا بل إنهم أمّنوا الكلفة التي بلغت نحو 400 ألف دولار أميركي، قدم معظمها آل سمعان من ديردغيا، بهدف إعطاء كنيستهم بعداً تاريخياً وسياحياً. ويرى القيّمون على المشروع في الآثار التاريخية ما يضفي على الكنيسة بعداً سياحياً لاجتذاب المارة الى الداخل. اما بالنسبة إلى المؤمنين، فيقول الاب عبد الله: «نقدم كل التسهيلات لدخول السائحين المحليين والأجانب لاكتشاف المكان، اما بالنسبة إلى الصلاة فنحن في صدد تكريس الكنيسة لإقامة الصلوات والاحتفالات بالمعمودية المقدسة».
من الآن وصاعداً، موارنة صور سيصلّون في الموقع الاثري المكتشف وبين الحجارة الرومانية... والرسالة الواضحة: وجودنا في هذه المدينة منذ قيامها. ولكن من دون تزوير للتاريخ، لم يحاول احدهم ان يقول بأن هذه الآثار مسيحية، بل تركوا التاريخ يتكلم.