جريمة اغتيال الرئيس الرواندي جوفينال هابياريمانا في 6 نيسان 1994 كانت الشرارة التي أشعلت حرب إبادة جماعية بين أبناء البلد الواحد، أدت الى مقتل نحو مليون إنسان. فالتعصّب الفئوي وصل الى ذروته في هذا البلد الصغير إثر اتهام قبيلة الهوتو (الأكثرية) أشخاصاً ينتمون الى قبيلة التوتسي (الأقلية) بالضلوع بجريمة الاغتيال، وتبع ذلك ثلاثة أشهر متواصلة من مجازر الإبادة الجماعية بين القبيلتين، مستخدمين الأسلحة الحربية والسواطير.


وتدخل القاضي الفرنسي جان لوي بروغيار ليكرّس هذه الاتهامات عبر إصداره مذكرات توقيف دولية عام 2006 بحقّ تسعة روانديين ينتمون إلى قبيلة التوتسي، من بينهم جايمس كاباريبي وفوستان نياموساكايومبا وشارل كايونغا. لكن بروغيار أنهى تحقيقاته من دون أن يعاين مسرح الجريمة في العاصمة الرواندية كيغالي ومن دون أن يبحث في أسلوب تنفيذ الجريمة (Modus Operandi)، بل استند القاضي الفرنسي الى خلاصات توصل إليها بعد استماعه الى عدد من «الشهود»، من بينهم ضابط فرنسي يدعى بول باريل. أصابع اتهام بروغيار توجهت نحو رئيس الجبهة الشعبية الرواندية بول كاغامي الذي ينتمي الى قبيلة التوتسي والذي يتولى حالياً منصب الرئاسة في رواندا، حيث إن بروغيار كان قد حسم بأن كاغامي تآمر مع سائر المتهمين لاغتيال الرئيس هابياريمانا لمنعه من تشكيل حكومة وفاق وطني ولإحداث فوضى في البلاد تتيح له الانقضاض على السلطة، من دون المرور بالعملية الانتخابية التي كان قد اتفق على تنظيمها في رواندا خلال مؤتمر «أروشا» الذي عقد في آب 1993.
لكن، منذ تولي القاضيين مارك تريفيديك ونتالي بو القضية في 2007، تبيّن أن عدداً من هؤلاء «الشهود» غيّروا إفاداتهم أو طلبوا سحبها بالكامل. وبالتالي أعلن محامو المتهمين، الذين كان بروغيار قد أصدر مذكرات توقيف دولية بحقهم، احتفاظهم بحق الادعاء على «شهود الزور» في هذه القضية ومن يقف خلفهم.
وقررّ القاضيان تريفيديك وبو الانتقال الى كيغالي لإجراء تحقيق ميداني ومراجعة المعلومات التي كان قد استند إليها بروغيار. وفي 10 كانون الثاني الجاري، وضعت لجنة تحقيق قضائية ضمّت خبراء متخصصين بالمتفجرات وكارتوغرافيا وباليستيك والملاحة الجوية تقريراً أشارت فيه الى أن الصاروخين اللذين أصاب أحدهما الطائرة التي كانت تقلّ الرئيس هابياريمانا انطلقا من منطقة كانومبي الملاصقة لمقرّ الرئاسة والتي كان يسيطر عليها الحرس الجمهوري الرواندي (قبيلة الهوتو)، لا من مزرعة ماساكا التي تمكن مقاتلو الجبهة الشعبية الرواندية (قبيلة التوتسي) من اقتحامها والسيطرة عليها قبيل وصول الطائرة، كما ادعى القاضي بروغيار لدى إصداره مذكرات التوقيف الدولية عام 2006.

وكان التحقيق الفرنسي في جريمة اغتيال الرئيس هابياريمانا قد بدأ في 1998، بعد تقدّم ذوي طاقم الطائرة الفرنسية (نوع FALCON 50) المتوجهة من تنزانيا الى رواندا والتي أسقطت في كيغالي يوم 6 نيسان 1994 (وكان على متنها الى جانب الرئيس هابياريمانا، رئيس جمهورية بوروندي سبريان نتارياميرا)، بشكوى أمام الدوائر القضائية في باريس. وتولى القاضي بروغيار التحقيق عبر استدعائه «شهوداً» الى مكتبه في العاصمة الفرنسية للاستماع إليهم، ومن بينهم أشخاص ينتمون الى قبيلة الهوتو وبعض الموالين للجبهة الوطنية الرواندية (عبدول روزيبيزا) وجنود فرنسيين كانوا في كيغالي خلال مرحلة دعم الحكومة الفرنسية للرئيس هابياريمانا قبيل اغتياله.
إن فرضية سيطرة قوات التوتسي على منطقة كانومبي القريبة من مدرج المطار والملاصقة لمقرّ الرئاسة بهدف إطلاق صواريخ لإسقاط الطائرة الرئاسية مستبعدة، إذ إن نجاح هذه العملية العسكرية، لو حصل، كان سيؤدي الى سقوط مقر الرئاسة بأيدي قبيلة التوتسي، وبالتالي زوال الدافع الأساسي لبول كاغامي لاغتيال الرئيس هبياريمانا، الذي ينتمي الى قبيلة الهوتو من خلال إسقاط طائرته.
وبالتالي، فإن التقرير القضائي الذي صدر أخيراً يدلّ على أن القرارات الاتهامية الدولية التي أصدرها بروغيار لم تستند الى وقائع علمية وإثباتات قضائية، بل الى تحليلات سياسية وإفادات شهود زور.
«إن القاضي بروغيار الذي تولى ملفات مرتبطة بالإرهاب، تلاعب بإفادات الشهود» قال وزير العدل الرواندي ثارسيس كاروغاراما، خلال مؤتمر صحافي عقده في 19 كانون الثاني الجاري. «الحقيقة تكمن في أن هذا التلاعب كان بواسطة الاستخبارات الفرنسية» أضاف الوزير، معلناً أن «مكافحة الأكاذيب ستستمرّ». وشرح أن بروغيار «لم يكلف نفسه عناء الانتقال الى رواندا، حيث أسقطت الطائرة، على الرغم من أن القواعد المهنية للتحقيقات تفرض عليه البحث عن الأدلّة الجنائية».

«إبادة الحشرات»

يبقى السؤال: لماذا سعى القاضي بروغيار الى التلاعب بحقيقة جريمة اغتيال سياسي وقعت في رواندا عام 1994 وأدت الى إبادة نحو مليون إنسان؟ يرتبط الجواب بوجهة الاشتباه الحالية، وهي تشير الى ضلوع كبار الضباط في الحرس الجمهوري الرواندي المنتمين الى جناح متطرّف من القبيلة نفسها، التي ينتمي إليها الرئيس المغدور جوفينال هابياريمانا. وقبل البحث في دافعهم الجنائي، لا بد من مراجعة معطيات تنفيذ الجريمة.
إن إسقاط طائرة بواسطة صواريخ SAM16 (سام) روسية الصنع، محمولة على الكتف ليس أمراً سهلاً، بل يحتاج الى تدريب عسكري مسبق. غير أن الحرس الجمهوري الرواندي لم يكن مجهزاً بصواريخ كهذه، وبالتالي لم يكن العسكريون مدربين على إطلاقها. لكنّ عدداً من الضباط الفرنسيين، ومنهم النقيب بول باريل، الذي ارتكز بروغيار على إفادته خلال مرحلة التحقيقات الاولية، كانوا في كيغالي قبيل الاغتيال للمساعدة على تدريب قوات الحرس الجمهوري الرواندي. اللافت أن باريل الضابط في مجموعة التدخل الخاصة في الجندرمة الفرنسية (Groupe d’Intervention de la Gendarmerie Nationale – GIGN) كان قد شارك في عملية تدريب، أطلق عليها اسم «إبادة الحشرات» التي ارتكزت على «دقة إصابة الأهداف». وتقاضى باريل، بحسب الملحق العسكري في السفارة الرواندية في باريس سيباستيان نتاهوباري، مبلغ مليون ومئتي ألف دولار أميركي، مقابل هذا التدريب من وزير الدفاع الرواندي آنذاك بيزيمانا. ويؤكد الباحث باتريك دو سانت ايكزوبيري صحة هذه المعلومات في كتابه L’Inavouable, la France au Rwanda (2004)، مشيراً الى أن المبلغ قبضه باريل مقابل عملية «إبادة الحشرات».
وخلال الأيام القليلة التي سبقت جريمة اغتياله، تلقى الرئيس الرواندي إنذاراً بعدم السفر إلى تنزانيا، كان مصدره قصر الرئاسة الفرنسية. ففي معرض إفادته، أمام المحكمة الجنائية الدولية لرواندا في أروشا، قال رئيس وزراء رواندا السابق جان كامباندا إن الرئيس الكونغولي السابق موبوتو سيسيسيكو كان قد أنذر نظيره الرواندي هابياريمانا بعدم السفر في 6 نيسان 1994. وأضاف موبوتو يومها، بحسب مامباندا، إن مصدر الإنذار بعدم السفر هو مسؤول رفيع في الرئاسة الفرنسية. وأشار الى أن هناك رابطاً بين هذا الإنذار و«انتحار» مستشار الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران للشؤون الأفريقية فرانسوا دي غروسوفر في 7 نيسان 1994، أي بعد يوم واحد من اغتيال هابياريمانا.

خطف وتزوير أدلّة جنائية

ليس ملف اغتيال الرئيس الرواندي هبياريمانا هو الملف القضائي الوحيد الذي فاحت منه أخيراً روائح تلاعب القاضي الفرنسي بروغيار، لكنه الأبرز بسبب ارتباطه بجرائم إبادة نحو مليون إنسان. القاضي كان قد لاحق عام 1994 المناضل اليساري والعضو السابق في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين راميريز اليتش سانشيز، المعروف باسم كارلوس. وعمل بروغيار بالتنسيق مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لاختطاف كارلوس من السودان، ما يعدّ تجاوزاً للمعايير القانونية للملاحقات الجنائية. لكن الملف الأكثر أهمية الذي أداره بروغيار كان ملف تفجير الطائرة الفرنسية يو تي آيUnion des Transports Aeriens UTA في سماء النيجر عام 1989، ما أدى الى مقتل 171 شخصاً كانوا على متنها. كلّف بروغيار التحقيق في الأمر، فجمع الجزء الأكبر من الأدلة الجنائية من الاستخبارات الأميركية. واستندت المحكمة الفرنسية عام 1999 الى تلك الأدلة لإصدار أحكام غيابية بحقّ ستة ليبيين، على رأسهم عبد الله السنوسي، أدانتهم بالضلوع في جريمة تفجير الطائرة. وتبين أن أحد أبرز الأدلة التي عرضها بروغيار على المحكمة كان جزءاً من عدّاد (timer) حصل عليه بروغيار من عميل في مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي يدعى توم ثورمان. غير أن أحد أهمّ خبراء المتفجرات في الشرطة الفرنسية يومها، الضابط كلود كاليستي، نفى وجود آثار لمتفجرات على هذا الجزء من العدّاد. واللافت في الأمر أن ثورمان طرد من مكتب التحقيقات الفيدرالي عام 1997 بعد ورود معلومات عن قيامه بـ«فبركة أدلة جنائية».
لم تقتصر تلاعبات القاضي بروغيار على هذه الملفات القضائية، بل شملت كذلك ملف تفجير كاراتشي في 8 أيار 2002 الذي أدى الى مقتل 15 شخصاً، من بينهم 11 مواطناً فرنسياً. وفتح القضاء الفرنسي تحقيقاً في حجب بروغيار معلومات جنائية عن المحكمة، فاستجوب في 16 أيار 2012 في باريس بسبب اخفائه التقرير الطبي لتشريح جثّة الشخص الذي اشتبه فيه بتفجير نفسه بالحافلة التي كانت تقلّ الضحايا في كاراتشي. نفى بروغيار معرفته بوجود تقرير كهذا، لكن الطبيب الشرعي الفرنسي دومينيك لوكونت أصرّ أمام القاضي على أنه سلّمه التقرير. وفي 8 حزيران من العام الفائت، أكّد الطبيب الشرعي والتر فورهاور صحّة أقوال زميله لوكونت، محدداً أن بروغيار تسلّم التقرير في 2 تموز 2002 الساعة الثانية بعد الظهر. لكن، لماذا يخفي القاضي هذا التقرير؟ شرح أحد وكلاء الضحايا، المحامي أوليفييه موريس، أن التقرير يدلّ على أن الشخص المشتبه فيه لم يكن انتحارياً ولم يفجّر الحافلة، كما كان قد زعم القاضي بروغيار، بل إن التفجير حصل عن بعد بواسطة جهاز لاسلكي. وقد يساعد ذلك على الاشتباه في ضلوع السلطات العسكرية والأمنية الباكستانية بالهجوم، وذلك رداً على قضية فساد مالي بقيمة 84 مليون يورو كان يفترض أن يتقاضاها مسؤولون عسكريون باكستانيون بمثابة «كوميسيون»، مقابل بيع فرنسا عدداً من الغواصات الحربية لباكستان. لكن المبلغ لم يصل الى باكستان بسبب افتضاح الأمر في باريس. أما الأشخاص الذين يشبه في ضلوعهم بهذه الفضيحة، فمن بينهم رئيس الوزراء السابق إدوار بالادور والمتحدث باسم حملته الانتخابية لرئاسة الجمهورية عام 1995، الرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي.




“Voyou judiciaire” يلاحق تمويل الإرهاب


القاضي الفرنسي جان لوي بروغيار، «الأزعر القضائي» (le voyou judiciaire) كما أطلق عليه الصحافي فرانسوا شلوستر في «لو نوفيل أوبزيرفاتور»، قرّر عام 2007 الدخول علناً في السياسة عبر ترشحه للانتخابات التشريعية بعدما كان قد لعب أدواراً سياسية عدّة، تحت ستار العمل القضائي ومكافحة الإرهاب. لكن بروغيار لم يخسر الانتخابات فحسب (على الرغم من الدعم الذي تلقاه من صديقه الرئيس نيكولا ساركوزي)، بل خسر كذلك سمعته كقاض نزيه في فرنسا. إذ عجز الرئيس الفرنسي عن حمايته من افتضاح تلاعبه بالتحقيقات الجنائية لمصلحة سياسات الإليزيه في ملفات الاغتيال السياسي في رواندا وتفجير حافلة الركاب في كاراتشي وإسقاط الطائرة الفرنسية، كما بيّن هذا التقرير. لكن كلّ ذلك لم يمنع الاتحاد الأوروبي من تعيين بروغيار في آذار 2008 مبعوثاً خاصاً للتنسيق مع مكتب الخزانة الأميركية لملاحقة مصادر تمويل «الإرهاب» في إطار برنامج رصد تمويل الإرهابTerrorist Finance Tracking Program - TFTP.
قدّم بروغيار تقريره الأول في كانون الأول 2009 وأشار فيه الى أن البرنامج يعمل بشكل فعّال في دول الاتحاد الأوروبي، وأوصى بتفعيل مهمات المراقبة المالية. أما التقرير الثاني فصدر في كانون الثاني 2010، وأشار الى أن برنامج رصد التمويل أتاح كشف وتعطيل عملية إرهابية كانت تستهدف تفجير طائرة ركاب في طريقها من أمستردام الى ديترويت يوم عيد الميلاد (25 كانون الأول) 2009. ويعمل القاضي بروغيار مستشاراً لمجموعة «شيرتوف» التي أسسها الأمين العام للأمن القومي الأميركي مايكل شيرتوف، والتي تضمّ المدير السابق لوكالة الاستخبارات الأميركية الجنرال مايكل هايدن وعدداً من كبار العملاء في وكالات الاستخبارات الأميركية.



عدالة حسب «المناخ السياسي»؟

علمت «الأخبار» من أوساط متابعة للتحقيق في جريمة اغتيال الصحافي سمير قصير (الصورة) أن التقرير الأخير الذي تلقته السلطات القضائية اللبنانية من المحققين الفرنسيين في هذه القضية تضمن اشارة الى وجود دراجة نارية بمواصفات محدّدة في مسرح الجريمة. لكن أجهزة التحقيق المحلية لم تعثر على أثر للدراجة، ولا توجد أصلاً دراجات نارية في لبنان بالمواصفات التي أشار اليها المحققين الفرنسيين.
وكانت عائلة الصحافي المغدور قد كلفت المحامي وليم بوردون بمتابعة القضية أمام المحاكم الفرنسية. وتناول المحامي جوزف بريهام من مكتب بوردون تقدم التحقيق اثر زيارته الى بيروت عام 2010 عارضاً تفاصيل مراحل التحقيق الفرنسي بدءاً بعمل القاضي بروغيار الذي كان أول من تسلم التحقيق، مروراً بلجنة التحقيق الدولية، وصولاً الى القاضيين ناتالي بو ومارك تريفيديك اللذين يتابعانه اليوم.واوضح بريهام يومها «ان التحقيق الدولي يتعاون مع التحقيق الفرنسي لجهة تبادل المعلومات، غير ان ذلك لا يعني بالضرورة ان ملف سمير قصير سيتم ضمه الى ملفات المحكمة الخاصة «.وميّز بريهام بين مستويين، الاول سياسي والثاني قضائي، لافتاً الى «تبدل المناخ السياسي الدولي والاقليمي واللبناني الداخلي على نحو قد يؤدي الى عدم توسيع نطاق صلاحيات المحكمة». مضيفاً «ان المحكمة منبثقة من الامم المتحدة التي ما تزال جهازاً سياسياً».