كعادتهن كلّ شتاء، تستعد سيدات المنازل لجولة جديدة من إعداد المربيات والعصائر. خلال هذه الفترة من السنة، يميل لون ثمرة «النارنج» المعروف في لبنان بـ«أبو صفير» أو «بو صفير» نحو الاصفرار، على غرار الحامض، ما يعني أن النضوج تسلل إلى اللب والقشرة، وبات الموسم يانعاً وجاهزاً للقطاف والمائدة.

ليس البحث عن ثمار الـ«بو صفير» صعباً في المناطق الساحلية أو الجنوبية، وخصوصاً أن لهذه الشجرة ميزات عدة. هي معمرة، قادرة على تحمّل تقلب المناخ، ودائمة الخضرة. دخلت البيوت قبل أشجار الليمون والحامض، زينت حدائقها وكانت محط اهتمام السكان. فعصيرها البرتقالي، رغم حدته اللطيفة، يمنح الطعام نكهة لذيذة. ويقول الأستاذ في المدرسة الفندقية حاتم مفلح إن «صحن الفول يزداد لذة حين ينعشه حامض البوصفير، إذ يعطيه نكهة خاصة ومميزة».
تعدّ سيدات المنازل شراب النارنج المكثّف بعد نضوج الثمرة في فصل الشتاء. يحل الصيف فيقدمنه عصيراً مخففاً مع الماء. لهذه الثمرة سحرها الخاص، فحلوها نابع من مرها، إن في «لذعتها» الخفيفة في الشراب المحلّى بالسكر، أو في المربيات المصنوعة من قشرتها.
وفي السياق، تقول سلام شمس الدين (عربصاليم): «علمتني أمي صنع مربى البوصفير منذ سنوات». لذلك، تنتظر الموسم «بفارغ الصبر»، لافتة إلى أن «إعداد العصير أو المربى منه ليس بالأمر السهل». لثمر البوصفير قدرة عالية على الاحتمال، لكن يحتاج عصره أو تقشيره إلى عناية خاصة.
عند صناعة المربى، تغسل شمس الدين الثمار جيداً قبل تجفيفها، ثم تُقطّع القشرة عمودياً إلى «حزوز» بعد تقشير الغلاف الخارجي بشكل ناعم، مع الاحتفاظ بالطبقة الداخلية البيضاء. بعدها، تلفّ القشرة (كما تلفّ الشطيرة) وتربطها بخيوط لتحافظ على التفافها. عند الانتهاء من اللف، تضع القطع الملفوفة بالمياه لثلاثة أو أربعة أيام، شرط تغيير المياه مرات عدة للتخلص قدر الإمكان من القشور المرة، ثم تغليها مع الماء، على أن تتخلّص منه لاحقاً.
لم تنته شمس الدين من اعداد المربى. الخطوة التالية هي سكب القطر المعد سلفاً فوق قطع البوصفير المسلوقة والمجففة، وغليها مجدداً حتى النضوج. بعدها، تفصل قطع النارنج عن القطر ليقدم القشر الحلو على شكل شرائح جافة خالية من الخيوط، مع إمكانية رش بعض السكر الناعم عليها، أو حفظها على غرار مربى التفاح.
غالباً ما تحتاج العصائر الحمضية النقية إلى غلي مع الماء والسكر قبل تقديمها شراباً منعشاً مع قطع الحلوى. (يتم تذويب السكر في الماء على نار هادئة، ويضاف عصير الليمون ويترك ليغلي مدة عشر دقائق حتى يصبح سميكاً. ثم يسكب المحلول السكري فوق عصير النارنج الساخن، يقلب جيداً ويترك ليبرد).