لا يستغرب المزارع عبده صادق الإنتاج الوفير للّفت هذا العام. يقول إن «أرض سهل البقاع تناسب هذه الزراعة الدرنية، فضلاً عن أنها لم تبخل على أصحابها يوماً في أي زراعة». كرم الأرض لا يعني غياب المشاكل؛ إذ يلفت إلى معاناة مزارعي اللفت نتيجة «عدم وجود سياسة زراعية والاهتمام بالمزارعين وتوجيه الدعم، إضافة إلى عدم توفير أسواق تصريفية للإنتاج وحمايته من المنافسة الخارجية».

لا يأبه مزارعو سهل بلدة مجدلون للطقس الماطر والبارد. اعتادوا «الأشغال الشاقة» التي تفرضها هذه الزراعة. يسابق مزارعو اللفت الوقت. يقتلعون تلك الحبات البيضاء الموشحة بالأحمر من رحم الأرض الموحلة، ويعملون على تشذيبها من أوراقها لتجمع وتنقل إلى حوض مياه كبير بغية تنظيفها من الأتربة تمهيداً لتوضيبها وبيعها.
يشرح صادق أن «كلفة زراعة اللفت مرتفعة، فيما لا تحظى بدعم من الدولة أو تباع بأسعار جيدة، ما يجعل منها زراعة يطلبها أصحاب معامل تصنيع المخللات فقط». ويشير إلى أن «المزارعين توقفوا عن زراعة اللفت منذ سنوات، إلا في حال وجود اتفاق بينهم وبين أصحاب معامل المخللات والكبيس على تسلّم الإنتاج من المزارعين»، مضيفاً أنه «في ظل غياب دعم الدولة، لا يتعدى سعر كيلو اللفت 250 ليرة، فيما تتطلب زراعته كلفة عالية من بذور وأسمدة ومازوت خاص بالري». ويوضح أن اللفت يحتاج إلى 5 عدادين مياه عند بداية زراعته، (كل ساعة 36 ليتراً من المازوت)، وتزداد الحاجة مع تأخر هطول الأمطار.
ويلفت صادق إلى أن «أجور العمال السوريين باتت عبئاً ثقيلاً على المزارعين»، مشيراً إلى أن ندرة وجودهم «تجعلهم يتحكمون بتحديد أجورهم الخاصة بالقلع والتنظيف. يحصل العامل على 120 ألف ليرة بدل اقتلاعه دونماً واحداً، و150 ألف ليرة بدل نقله الإنتاج وتنظيفه في حوض المياه، فضلاً عن أجر النقل إلى
المعامل».
أقدم صادق على ضمان (استئجار) عقار مساحته ثلاثون دونماً لزراعة اللفت، بعد اتفاقه مع أحد أصحاب معامل المخلل في بلدة قصرنبا. وقال لـ«الأخبار» إنه «شرع بتسليم كميات إلى المعمل بأسعار تراوح بين 200 و250 ليرة للكيلوغرام، في وقت بدأت تشهد فيه الأسواق اللبنانية دخول لفت سوري إلى طرابلس، ومنها إلى بيروت وبعلبك وجميع المناطق»، موضحاً «أن السعر الذي يدخل به لا يتعدى 175 ليرة للكيلوغرام، وهو سعر يؤثر على بيوتنا ويحرمنا الاستفادة من بيع إنتاجنا للمحالّ التجارية وأسواق الخضار».
بدوره، يوضح المزارع محمد عساف أنه «أقدم على زراعة اللفت في محاولة منه للتعويض عن خسارته في موسم الصيف (البطيخ والخس)»، مشيراً إلى أنه «زرع 25 دونماً من اللفت بعد الاتفاق مع صاحب معمل لتصنيع الكبيس على تسليمه الإنتاج، وخصوصاً أنه يشتري منه صيفاً إنتاج الحر والخيار والقثاء والجزر». ويؤكد أن «إنتاج هذا العام جيّد، وقد ناهز 5 أطنان في الدونم الواحد مقارنة بثلاثة أطنان ونصف في السنوات الماضية»، لكن تبقى مشكلة «تدني الأسعار». ويرى أن «الخاسر الأول هو المزارع، فيما يعمد أصحاب معامل المخللات بعد التصنيع إلى بيع إنتاجهم للمطاعم والفنادق وتصديره إلى الخارج، وخصوصاً دول الخليج بأسعار مرتفعة».
وفي السياق، يوضح المهندس الزراعي حمد جعفر لـ«الأخبار» أن «اللفت من فصيلة الدرنيات، ويناسب تربة البقاع ومناخه، ويمكن زراعته صيفاً في حال توافُر المياه»، شارحاً أن «المياه تساعد على زيادة إنتاج اللفت». لكنه يلفت إلى «ارتفاع أسعار المازوت وعدم توافر الدعم الفعلي له، ما يدفع المزارعين إلى زراعة اللفت نهاية شهر أيلول بغية الاعتماد على هطل الأمطار، على أن يكون القلع في كانون الثاني». ويضيف: «إذا تأخر القلع أكثر، غالباً ما يتعرض الإنتاج لأضرار تصيب الطعم والشكل».
وتجدر الإشارة إلى أن مزارعي اللفت بدأوا بالتخلي عن الأساليب التقليدية للزراعة واعتماد المكننة. ويوضح المزارع أحمد حمية أن «آلة رش البذور على الجرارات الزراعية تساعد في الحصول على إنتاج وافر، وتنظم شكل الزراعة الذي يسهل أعمال القلع، فضلاً عن توفير كمية البذور المطلوبة لزراعة دونم لفت، الذي يتطلب ما يقارب الكيلو يدوياً، في مقابل 500 غرام في حال استخدام آلة الرش».