قبل حرب تموز بعام واحد، استدان «العم» أبو نعيم 50 مليون ليرة لبنانية من مؤسسة «كفالات»، ووسّع مزرعة الفطر لديه. يومها، اتخذ الرجل قراره بعدما زاد إنتاجه اليومي من الفطر إلى 250 كيلوغراماً. غير أن الفرحة لم تدم طويلاً، فسرعان ما أتت حرب تموز لتشتّت زبائن سعيد نعيم و«تمسحو ع الحديدة»، وتعيده إلى النقطة الصفر التي كانت قبل 15 عاماً عندما كان المشروع فكرة. هكذا، أعادت الحرب أبو نعيم إلى المكان الذي «لا يحسد عليه»، لكنها في الوقت نفسه كانت دافعاً ليجدد نشاطه، معطوفاً على «الخبرة التي اكتسبتُها» ويسترجع ما كان. لم يطل العمل كثيراً، فما بين حرب تموز والعودة فاصل زمني لم يتعدّ السنتين، عاد بعدها أبو نعيم ليتربع على عرش إنتاج الفطر في منطقة عكار. إلا أن حتى هذه العودة لم تشبه ما كان عليه الوضع سابقاً، فالإنتاج اليومي الذي كان قبل الحرب 250 كلغ تضاءل ليستقر عند خمسين كلغ. والسبب يعود إلى «تفتّح العيون» على إنتاج الفطر، وانتشار تلك المزارع على نطاق واسع في مدينة جبيل وغيرها برؤوس أموال كبيرة، وإذ كان «أبو نعيم» يرى أن الفطر الذي ينتج في تلك المزارع صناعي، إلا أنه لم يستطع منافسته في أسواق بيروت وجبل لبنان، فاقتصر تصريف إنتاجه على الشمال، وخصوصاً عكار. لكل هذا، لجأ الرجل إلى تحجيم مشروعه، وبدل الاستعانة بستة عمال في مزرعته أبقى على اثنين فقط. وما يزيد الطين بلة أن البيع خف أيضاً، فمن الخمسين كلغ يبيع «أبو نعيم» 40 كلغ، الأمر الذي يعكس «قلة معرفة من جانب العكاريين بقيمة الفطر الغذائية، علماً أنه يحوي كمية بروتينات تعادل تلك المتوافرة في اللحوم، وبسعر 10 آلاف ليرة لبنانية فقط»، يقول. وعلى عكس ما يجري اليوم، لم يواجه أبو نعيم في الفترات السابقة صعوبة في التصريف. ويردّ السبب إلى أنه «لم تكن هناك مزارع تنافسه على الإنتاج، إضافة إلى أن الفطر الأجنبي كان غالي الثمن، ويراوج بين 12 و16 دولاراً أميركياً، في الوقت الذي كنت أبيع فيه الفطر بستة دولارات فقط».

مع ذلك، لا يأسف «أبو نعيم» لما وصل إليه، فبخبرته لا يزال يتربع على عرش الإنتاج، كما أنه لا يهتم «بالأرباح بقدر اهتمامي بتثبيت إنتاج الفطر في المنطقة»، وخصوصاً أن إنتاجه صعب ومكلف في بعض الأحيان، بسبب «غلاء سعر طن الكومبوست (وهو المزيج الذي يغذي الفطر)، الذي يبلغ 350 يورو، تضاف إليها الرسوم الجمركية وكلفة النقل». ثمة صعوبة أخرى تتمثل في الحفاظ على عملية الإنتاج «من التخمير إلى نظافة المزرعة والتحكم في حرارتها ودرجة الرطوبة فيها والاهتمام ببذار الفطر»، لكن، «أبو نعيم» تجاوز كل ذلك بعدما صار «ملكاً» في تلك الزراعة، فقد لجأ الرجل إلى تصنيع «الكومبوست» محلياً من خلال مزج فضلات الدجاج مع القش، لتصبح كلفة الطن الواحد 300 دولار أميركي فقط. وهو يفضل «الكومبوست» المحلي التصنيع ـــــ شرط توافر الخبرة ـــــ «لأن المادة المستوردة قد تتغيّر خصائصها مع تغير مصدر الاستيراد، الأمر الذي ينعكس على إنتاجية المزرعة». ويوضح أن المواد المستخدمة في تصنيع «الكومبوست» متعددة، لكن فضلات الدجاج هي الأفضل والأرخص. غير أن المرحلة الأهم في عملية التصنيع بمعزل عن طبيعة المواد، هي مرحلة التخمير التي قد يؤدي سوء تنفيذها إلى إتلاف «الكومبوست»، وبالتالي إلى خسارة الموسم بكامله. المسألة التالية التي لا تقل أهمية عن إعداد «الكومبوست» هي نظافة المزرعة، «وهو الشرط الثاني الأساسي لنمو الفطر»، يقول.
أما الحرارة المثالية لإنبات الفطر ونموه، فيجب ألّا تقل «عن 21 درجة مئوية»، ولذلك يحرص الرجل على تثبيت مكيف في كل غرفة مركز على الحرارة المطلوبة، إضافة إلى جهاز لتوفير نسبة الرطوبة «مئة في المئة». ينتقل «أبو نعيم» للحديث عن الفطر، فيشير إلى أنه «لا يوجد شيء اسمه بذار الفطر، بل ثمة نوع من العفن هو عبارة عن بكتيريا تتغذى وتنمو على جدار حبوب القمح أو غيرها». بعد ذلك توضع هذه البذار «مع الكومبوست داخل أكياس هي بمثابة الأحواض لزراعة الفطر، ويجري يومياً ريّها بكمية محددة من المياه». وبعد مرور شهرين على بدء الدورة الزراعية، يبدأ القطاف على نحو يومي، ويستمر مدة أربعين يوماً. وبعد انتهاء الموسم يجري تنظيف المكان، ويسحب «الكومبوست» بالكامل، ويرش بمواد معقّمة، قبل البدء بدورة زراعية جديدة. ويمكن استخدام مخلفات مجمل الدورة الزراعية سماداً عضوياً للمزروعات. هذه الزراعة على أهميتها، إلا أنها لم تعزز «ثقافة استهلاك الفطر في عكار»، يقول الرجل. ويختم «ربما يعود كل ذلك إلى ما ترسخ في أذهان عامة الناس من أن الفطر مكلف، بسبب اطلاعهم على أسعار الفطر الأجنبي».