العام الماضي، فاز مشروع بلدية دير قانون النهر (قضاء صور) عن «النحل والجدوى الاقتصادية والاجتماعية» بجائزة الاتحاد الأوروبي. يأتي هذا الفوز، الذي نالته البلدية من بين عشرات الاقتراحات التي تقدمت بها 65 بلدية أخرى، في إطار خطة عمل السياسة الأوروبية للحوار الموقعة بين الاتحاد ولبنان. لم يكن اختيار «النحل» عبثياً؛ فقد أتى عن «دراسة»، يقول صاحب الفكرة ورئيس البلدية عدنان قصير. وبحسب قصير، «البلدة تمتاز ببيئة زراعية تتوافر فيها حقول الزيتون وبساتين الأشجار المثمرة والأودية حيث الأعشاب البرية والمراعي، وللاستفادة منها تقرر العمل على إيجاد قطاع إنتاجي زراعي جديد يمكّن المستفيدين من المشروع من توفير مدخول مالي إضافي لهم يساعدهم في مواجهة التحديات المعيشية». ثمة سبب آخر لهذا الاختيار، هو أن «هذا المشروع يأتي في خانة البضاعة التي لا تكسد». أضف إلى ذلك أن «مشروع النحل قادر على توفير التمكين الاقتصادي وتعزيز الصحة الجسدية من خلال تشجيع الأهالي على تناول العسل ومشتقاته لما فيه من فوائد، كما يسهم في تحسين الظروف والأجواء البيئية السليمة وإعادة التوازن البيئي مع تزايد النشاط العمراني والتجاري فيها»، يقول قصير. ولتعزيز هذا القطاع، تقوم البلدية بتشجير 4500 شجرة في أحراج البلدة من الأنواع التي تمثّل مصدراً أساسياً لتغذية النحل.

أما بالنسبة إلى تكاليف المشروع، فتتوزع بين الاتحاد الذي يموله بنسبة 50% والبلدية وأربعين مستفيداً يتحمل كل منهم 25%. وتنفق هذه القيمة على «شراء 400 قفير نحل لتوزيعها على الأربعين مستفيداً بمعدل 10 قفران لكل منهم». وكانت البلدية قد وضعت المشروع قيد التنفيذ الشهر الماضي حين ألفت لجنة مؤلفة من اللجنة الزراعية في البلدية ومستشار فني من مؤسسة جهاد البناء وممثلين عن الجمعيات الزراعية في البلدة. وانحصرت مهمتها باختيار المستفيدين الذين تتوافر فيهم الشروط المطلوبة وإخضاعهم لبرنامج تدريبي مكثف على ثلاث مراحل تستمر مدة شهرين، على أن يليها توزيع قفران النحل عليهم على دفعتين وتشكيل تعاونية زراعية للنحالين ووضع الخطط التسويقية اللازمة للإنتاج.
فهيم قشور (60 عاماً) واحد من أربعين متدرباً التحقوا الاثنين الفائت بصف تعليم مبادئ تربية النحل الحديثة في مقر البلدية. الصف يجمع عينات متفاوتة عمرياً وعلمياً من أهل البلدة، ولعل أكثرهم حضوراً الشباب الذين أنهوا تحصيلهم العلمي وركنوا في فئة العاطلين من العمل. كذلك هناك سيدة واحدة طلبت المشاركة في المشروع. بالنسبة إلى فهيم، إن تقاعده المبكر وملكيته لنحو 15 دونماً من المزروعات، مثّلت له دافعاً للاستفادة من المشروع لكي يوفر دخلاً إضافياً «وإن كان لا يتجاوز 300 دولار أميركي شهرياً، لكنه يسد حاجة من حاجاتنا». سهولة تربية النحل وعدم اضطراره إلى قطع مسافات كبيرة أو بذل جهد من دون نتيجة كما يحصل مع المزارعين، شجعه على العودة إلى صفوف العلم «على شرف النحل».
من جهته، يضمن حسن عز الدين رئيس لجنة الزراعة في البلدية ومنسق المشروع نجاحه وتحقيقه لأهدافه. ولكونه نحّالاً منذ 33 سنة، فإنه يؤكد أن النحل، وإن لم يحقق أرباحاً، «فإنه لا يسبب لصاحبه خسارة على غرار الزيتون أو الحمضيات والخضر على سبيل المثال». ومن الأسباب التي تضمن النجاح «ميزة البيئة الطبيعية في البلدة التي تنتج لها في كل عام ثلاثة أنواع من العسل: العسل الربيعي الذي تنتجه النحلات من بساتين الحمضيات وبعض الأعشاب البرية المنتشرة في أرجائها، والصيفي الذي تنتجه من أنواع كالزعتر وإكليل الجبل والفاقوعة والعيزقان والمريمية. أما العسل الشتوي فتنتجه من زهور أشجار الإكي دنيا والخروب وأعشاب الهليون». أما بالنسبة إلى منافعه، فهو «يستخدم بدلاً من الأدوية لعلاج الأمراض وخصوصاً السكري وآلام المفاصل».
في حلقات التدريب التي يتولاها خبير من مؤسسة جهاد البناء، يطّلع المستفيدون على التطورات التي طرأت على قطاع تربية النحل، كاستبدال القفران المكونة من التراب إلى الصناديق الخشبية وتوسيع خلايا النحل والحفاظ على أكبر كمية من الشمع والتحكم بأقراص العسل المقطوف ورصد تطور النحل ودورة حياته. ويضاف إلى كل هذا تدريب النحالين على وظيفة النحال وأغراضه واختيار الخلايا ومكان وضعها المناسب وتقسيم القفير وكيفية التطريد والتلقيح الاصطناعي للملكة وأنواع الأزهار الرحيقية. ويفرد التدريب مساحة كبيرة لعرض أمراض النحل والمخاطر التي تؤثر على هجرتها وموتها، ولا سيما استخدام المبيدات الزراعية عشوائياً.