إعلان يوم وطني للأبجدية، مبادرة رائعة، لكنها غير مكتملة. فلو طرح المشروع بصورة علمية تلحظ كل التفاصيل لقام الوطن ووقف خلف المبادرة وأدخلها المعلمون إلى صفوفهم. إلّا أن المبادرة «تعرج» بكل خطواتها. فالمشكلة تبدأ من الاسم. يوم الأبجدية، أي أبجدية؟ الفينيقية؟ لماذا لا تسمى باسمها، خوفاً من التسييس؟


هذه معلومة تاريخية حقيقية؛ فالحروف كتبها الفينيقيون ونشروها حول المتوسط، والاختباء وراء اسم الأبجدية هو إضاعة للتاريخ والإنجاز. يجب التأكيد هنا أنّه يوم للأبجدية الفينيقية، وليس عيباً أن يكرس لبنان للأبجدية التي انطلقت إلى العالم من مدنه الساحلية، يوماً سنوياً. أما لماذا تحديد نوع الأبجدية، فلأن هناك أبجديات كثيرة في العالم، وأقدمها الأبجدية المسمارية في أوغاريت. فالفينيقيون لم يكتشفوا الأبجدية كأبجدية، لكنهم اكتشفوا الأبجدية السمعية، أي إنهم أعطوا للصوت شكلاً. هذه الخطوة غيرت تاريخ البشرية؛ لأنها سهلت وعمّمت عملية الكتابة التي كانت حكراً على الكتبة. إنّه يوم الأبجدية الفينيقية إذاً.
أما المشكلة الثانية، فتكمن في التاريخ المختار للمناسبة. يريدون أن يدمجوا الاحتفالية بعيد المعلم، لم لا وهو الذي ينشر الحرف، فلم لا يكون العيد في 10 آذار، فيحفظ يوم المرأة، وعيد المعلم وتأتي الأبجدية إضافة رائعة. المشكلة الثالثة والأهم هي في الملصق الذي وزع في المدارس. هو «جرصة» بكل معنى الكلمة؛ إذ يبدو على الصفحة الأولى، رسم تصويري لسفينة فينيقية، يحاول القيّمون أن يقولوا ضمناً إن الأبجدية الفينيقية هي المقصودة. لكن الأخطاء تتهافت بالجملة، فالسفينة المصورة حربية، في حين أن السفن الحربية لم تكن يوماً مسؤولة عن نشر الحرف، بل تركت المهمة للسفن التجارية!
من المعيب أن تسير وزارتا التربية والتعليم العالي والثقافة في مشروع لنشر الثقافة في العلم من دون أن تدركا أن في المتحف الوطني قطعاً أثرية عليها رسوم «حقيقية» لسفن فينيقية. فهناك عملة فينيقية من صور سُكَّت عليها صورة سفينة فينيقية، وهناك منحوتة للسفينة تزين إحدى واجهات ناووس حجري. كان يمكن اعتماد أي من الرسمين بدل التخيل الخاطئ للسفينة، وخصوصاً أنّ لهذا الأمر وجهاً تربوياً تثقيفياً من جهة وتأكيداً للمعلومات التاريخية من جهة أخرى. وبما أن الأخطاء لا تتوقف عند هذا القدر، يجب أن يفتح المنشور لتظهر صورة ناووس احيرام ملك جبيل، وهي تعود إلى فترة ما قبل الحرب. وتنتشر حول الناووس قطع أثرية لم تعد معروضة اليوم في المتحف الوطني.
لماذا يصعب على وزارتين ونائب في البرلمان توزيع منشورات لا أخطاء فيها، وخصوصاً أن الهدف من هذا اليوم هو نشر العلم الهدف؟ فاحرصوا على أن يحصل ذلك بحق، ومن دون أخطاء.