قامة طويلة منحنية. يتكئ بيمينه على عكّاز، وبيساره على ابنته. عينان ذابلتان وسمعٌ خفيف. كل ذلك لا يشي بقوة القبضة التي ستصافحها. هكذا بدا «الأستاذ كمال»، الذي تنسّم هواء الحرية أخيراً. خرج من سجنه الأميركي في 13 شباط الماضي قبل انقضاء مدة حكمه لحسن سيرته وسلوكه، لكنه لم يطق البقاء في دولة الديموقراطية التي ظلمته. فحجز مقعداً على أول طائرة عائداً إلى الوطن.


سنين السجن الطويلة التي ناهزت الـ 22 لم تقض على إصراره، إذ تحدّثه نفسه اليوم بأمرين لا ثالث لهما: الانتقام من «المتآمرين» ومقاضاة أميركا، ولا سيما أن كلمات القاضي الأميركي التي أسرّها إليه لا يزال صداها يتردد في رأسه: «أرجو أن يطيل الله عمري حتى لا ترى الحرية».
لم يكن كمال شريف يعلم أن زيارة أبنائه المقيمين في بلاد العم سام عام 1990 ستكلّفه ثلث عمره. أوقفته الاستخبارات الأميركية (سي آي إيه) بعد أيام على وصوله بتهمة الإرهاب وتهريب المخدرات. يؤكد شريف أن «التهم الموجهة إليّ لا أساس لها، وكلّها ظلمٌ وتجنٍّ، على نمط الأفلام الأميركية التي ينتجونها في هوليوود». ويضيف متهكماً: «هم أبدع من قام بذلك طبعاً، ضاربين بالعدالة عرض الحائط». والأمثلة على ذلك كثيرة، بحسب الكاتب السابق في مجلس النواب، إذ إن «أياً من أدلة الإدانة لم تتوافر»، فضلاً عن أنه لم تكن هناك مضبوطات في ما يتعلّق بقضية المخدرات. أما مسألة الإرهاب، فـ «استندوا فيها إلى صور لي قرب مربض مدفعية، كان قد زوّدهم بها سامي ب.». وسامي ب. بحسب شريف، كان يقدّم القهوة في مجلس النواب حينها، قبل أن يتبيّن في ما بعد أنه كان عميلاً للاستخبارات الأميركية.
أدين شريف بـ «إيوائه منظمة إرهابية في وادي البقاع»، و«توفير الحماية» لعناصر المقاومة الفلسطينية. وكل ذلك استناداً إلى «أدلة واهية» بحسب أفراد العائلة. ليس هذا فحسب، فقد شهد ضده سامي لتثبت التهمة عليه بوصفه «زعيماً شيعياً إرهابياً»، وهي «تهمة محض افتراء ولا أساس لها من الصحة» بحسب أفراد عائلة «الأسير المحرر».
يكشف شريف أن سامي كان يعمل استخبارياً لحساب شخص يدعى جمال ح. المقيم في الولايات المتحدة، وهو يدير شبكة مخبرين تتعامل مع الاستخبارات الأميركية. ويوضح أن جمال ح. هو الذي سلّم في ثمانينيات القرن الماضي فوّاز يونس، المتهم بخطف طائرة أردنية على متنها أربعة أميركيين، إلى الاستخبارات الأميركية، حيث سُجن 16 عاماً قبل أن يُرحّل. ويشير شريف إلى أنه لم يكن الضحية الوحيدة لسامي، الذي أوقع أيضاً برجل يدعى «أبو خضر» من بلدة حومين التحتا الجنوبية، وسلّمه للـ «سي آي ايه»، فانتقم أفراد عائلة الأخير بقتل ابن سامي الذي «لو قُدّر لي أن أمصّ دمه فلن أُقصّر».
بعد مرور 22 عاماً، عاد شريف إلى وطنه ليجد أن شقيقيه وأبناء أعمامه و أقاربه والكثيرين من معارفه قد غادروا هذه الدنيا. الوفود التي تقاطرت إلى منزله في الأوزاعي استمعت إليه يروي «المعاناة التي عشناها بعد أحداث 11 أيلول، بسبب التضييق الذي تعرّضنا له». يتحدث عن غارات كان ينفّذها «العبيد علينا لأننا مسلمون». يقول أحد أبنائه إنه في كل مرة زار والده فيها كان يجده «إما مصاباً في رأسه أو بكسر في يده نتيجة عمليات التمرّد التي كانت تحصل في السجن». تحدث شريف عن تنقّله بين كثير من السجون الأميركية، إذ سُجن بدايةً في سجن بنسلفانيا، ثم تنقّل بين سجون فيرجينيا وكنتاكي ونورث كارولينا، وصولاً إلى سجن أوهايو، الذي مكث فيه حتى الإفراج عنه.
سُجن كمال شريف مع ابنه وجدي، الذي خرج بعد 19 عاماً وبقي في الولايات المتحدة منتظراً خروج والده ليبدأ رحلة مقاضاة رائدة الديموقراطية. يروي شريف وقائع الجلسة الأخيرة التي أُطلق سراحه فيها. «فتح القاضي الملف، فدُهش لأنه وجده خالياً من أي أدلة إدانة». يذكر نظرة القاضي قبل أن يسأله مستغرباً: «كيف مرّت عليك كل هذه السنين؟».
لا يُصدّق أبناؤه أن والدهم عاد حيّاً. يقول أحدهم إن كل ما قاساه والده كان نتيجة «مؤامرة سامي ب. الذي أسهم أبي في تكاليف زواجه مع مجموعة من النواب يوم كان الأخير حاجباً في المجلس النيابي». ويشير الى أن شريف قدم خدمات كثيرة «لأبناء منطقته، الأمر الذي أهّله ليطرح مرشحاً للنيابة، غير أن الأحداث اللبنانية حالت دون ذلك، إثر التمديد للمجلس النيابي». فيما يروي هو كيف هُدم منزله خلال الاجتياح الإسرائيلي لإيوائه مقاومين فلسطينيين. ويذكر أنه أسهم في «إنقاذ كثيرين من الذبح خلال الحرب الأهلية اللبنانية». أما التواريخ اللافتة التي كان شاهداً عليها، فيذكر ثورة عام 1958، ويتحدث عن دوره في «مواجهة العنف الطائفي» الذي عصف في البلاد عام 1976، وقيامه مع والده، زعيم عائلة آل شريف الشيخ صادق شريف، بإبعاد الحرب الطائفية عن منطقة البقاع بالتعاون مع فعاليات ووجهاء المنطقة. كذلك يذكر يوم عرض الرئيس كميل شمعون عليه ترؤس لائحة في البقاع لمنافسة الرئيس صبري حمادة، لكنه رفض. يتحدث عن دوره في الدفاع عن حقوق بلدته اليمونة، ولا سيما قضية النزاع بين اليمونة والعاقورة. ويستذكر موقفه من الرئيس حسين الحسيني عند تنكر الأخير لانتخاب الرئيس صبري حمادة في دورة عام 1972. يتحدث عن علاقة «ممتازة» كانت تربطه بالإمام المغيّب موسى الصدر. واليوم، بعد مرور كل تلك السنين، لا تزال تربطه علاقات صداقة بكل من إدمون رزق وروبير غانم وسامي الخطيب وعائلة صبري حمادة.




وُلد «أبو فراس» عام 1931 في اليمونة قضاء بعلبك. تزوّج ثلاث مرّات ورُزق 12ولداً. درس القانون ونال إجازة في الحقوق من جامعة الحكمة. بدأ مسيرته المهنية في مجلس النواب، وعاصر الرؤساء فؤاد شهاب وشارل الحلو وسليمان فرنجية والياس سركيس وأمين الجميل، قبل أن يسافر إلى الولايات المتحدة أواخر عام 1990. هناك حُكم عليه بالسجن لمدة 25 عاماً بتهمتي الإرهاب وتجارة المخدرات، لكنه خرج بعد مرور 22 عاماً لحسن سلوكه.