يشبّهه البعض بـ«أمير فتح الإسلام» السابق عبد الرحمن عوض، فيما يؤكد آخرون أنه أكثر ذكاء. يتحدث عارفو توفيق طه (أبو محمد)، «أمير كتائب عبد الله عزام» عن تواضع قلّ نظيره يتميّز به الرجل. يتنقل على متن دراجة نارية بين أحياء مخيم عين الحلوة حيث يقيم منذ أكثر من عقد من السنين. لا يحمل مسدساً، يلتزم الصلاة في المساجد ويعمل لإقامة دولة الخلافة الإسلامية. عاد اسم توفيق طه إلى الضوء مع إعلان الجيش اللبناني أنه الرأس المدبّر للشبكة التكفيرية التي جنّدت اثنين من أفراده.


وقد ارتبط اسمه بكتائب عبد الله عزام، التنظيم الأصولي الأكثر سرية في المخيم. بذلك، بات طه المطلوب الأول في مخيم عين الحلوة.
«أبو محمد»، المولود عام 1962، درس العلوم الدينية وتتلمذ على يدي الشيخ جمال خطاب، زعيم «الحركة الإسلامية المجاهدة». يعرفه معظم القاطنين في عين الحلوة. يثني أحدهم على «أخلاقه العالية»، ويؤكد آخر «أنه الشخص الوحيد الذي لا أعداء له». يروي أحد مشايخ المخيم أن طه بدأ حياته بالعمل في تجارة المواد الغذائية والمنزلية. متابع سياسي من الطراز الرفيع. انخرط في صفوف الجبهة الديموقراطية وشارك في عمليات قتالية في جنوب لبنان، قبل أن ينضمّ إلى «الحركة الإسلامية المجاهدة» حتى العام 2007. يتحدث متابعوه عن نقطة تحوّل طرأت على حياته خلال أحداث مخيم نهر البارد عام 2007. انقطع منذ ذلك الحين عن العمل الحزبي الظاهر ليتفرّغ لشؤونه «الخاصة». لديه منزلان، أحدهما في حي الصفّوري خلف منزل قائد الكفاح المسلّح العميد محمود عبد الحميد عيسى الملقب بـ«اللينو»، والآخر في حي المنشية.
«صاحب السيرة الناصعة»، بحسب بعض عارفيه، اقترن اسمه بأكثر من عملية وُضعت في خانة «الإرهابية». فقد برز اسم طه إلى العلن بعد أحداث نهر البارد، وبالتحديد في التحقيقات مع الموقوفين في حادثة استهداف جنود من الكتيبة التنزانية التابعين لقوات «اليونيفيل» في الجنوب بعبوة ناسفة على جسر القاسمية في 13 تموز عام 2007، والتي أسفر انفجارها عن إصابة جندي بجروح. منذ ذلك الحين، توالت مذكرات التوقيف الصادرة في حقه ليصل عددها إلى 27. كذلك اتهم بالمشاركة في تفجير باصين يقلان جنوداً في محلتي التل والبحصاص في طرابلس عام 2008، إضافة إلى اتهامه بتنظيم اعتداءات ضد قوات «اليونيفيل» في جنوب لبنان وأخرى ضد مواقع للجيش اللبناني.
وطه، الذي يؤكد أمنيون متابعون لملف الأصوليين أنه رجل «القاعدة» الأول في مخيم عين الحلوة، هو الذي طوّر أسلوب عمله خلال السنوات الماضية، فبدأ بإنشاء خلايا «عنقودية»، وحدّث أسلوبَ تواصله مع المجموعات التابعة له خارج المخيم، فصار أكثر اعتماداً على شبكة الإنترنت بدلاً من الهواتف الخلوية، حسبما يشير أمنيون معنيون بمتابعته. وهو يستخدم الانترنت في تجنيد عناصر جدد، إذ ينقل عنه أنه يفضّل الاعتماد على أشخاص من خارج المخيم إذ إنهم أكثر بعداً عن الشبهات. أما ما يُشاع عن تخفيه، فيؤكد مسؤولون في فصائل عدة أنه يتنقل دائماً بين أحياء المخيم من دون أي إجراءات أمنية تذكر. لكنهم يؤكدون أنه بات قليل الظهور في الآونة الأخيرة.
ورغم ما سبق، يبقى الاتهام الأخطر الذي يواجهه «أبو محمد» ترؤس الشبكة السلفية المشتبه في إعدادها لعمليات إرهابية كانت ستستهدف الجيش اللبناني. هنا بيت القصيد. يشكك أكثر من أمني في المعلومات التي سُرّبت حول هذه الشبكة، ويتحدثون عن «تضخيم الواقعة وتحميلها أكثر مما تحتمل». يستدل هؤلاء في فرضيتهم هذه إلى القول إن «الكتائب» كانت ستتبنى أفراد الشبكة المكتشفة باعتبار أن سياستها تقوم على المباهاة بإنجازاتها، وهي كانت ستفعل ذلك في مسألة «اختراق» الجيش اللبناني الذي تنظر إليه كمؤسسة «كافرة».
من جهة أخرى، علمت «الأخبار»، بحسب روايات أمنية، نقلاً عن مقرّبين من طه، أن الأخير اعترف في مجلس خاص بأنه كان على تواصل مع أفراد الشبكة التي جرى توقيفها. ونُقل عنه أنه تبنى الاختراق الذي تحقق ضمن الجيش، لكنه في الوقت نفسه نفى ما نُسب إليه لجهة الطلب إليهم تنفيذ أي عمل تفجيري.
وفي موازاة التشكيك الحاصل في حجم «الصيد» الذي أعلنته استخبارات الجيش، لم تكد قاضي التحقيق العسكري نجاة أبو شقرا تصدر قرار إخلاء سبيل العسكريين الموقوفين، التلميذ الضابط صهيب غسان القص والجندي عبد القادر عبد الرحمن نعمان، لقاء سندَيْ إقامة، حتى سارع مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر إلى استئناف القرار أمام محكمة التمييز العسكرية. ورغم عدم فهم المعطيات التي استندت اليها أبو شقرا، وسط ما سُرّب عن عدم توفّر معطيات كافية لاستمرار توقيفهما، إلا أن محكمة التمييز برئاسة القاضية أليس شبطيني العم، فسخت قرار قاضي التحقيق العسكري الرامي إلى ترك الموقوفين في ملفّ «الشبكة التكفيرية» التي كانت تسعى إلى استهداف ثكن عسكرية تابعة للجيش، وأبقتهما قيد التوقيف إلى حين انتهاء التحقيق وتبيان دورهما في القضيّة. وقررت إصدار مذكرتي توقيف بحقهما نظراً لماهية الجرم ولما ورد في الأوراق والتحقيقات، ولما للمحكمة من حق التقدير، ولوقوع القرار المستأنف في غير محله، علماً أن قرار محكمة التمييز جاء موافقاً لمطالعة النيابة العامة التمييزية العسكرية.
يذكر أن المدعى عليهما، إلى جانب الموقوفين مصطفى خالد العزو ورائد خالد طالب وأمجد عبد الله الرافعي وعلاء علي كنعان، قبض عليهم بجرم تأليف عصابة إرهابية تخطط لارتكاب الجنايات على الناس والأموال وللنيل من هيبة الدولة، وبجرم التدريب على تنفيذ الأعمال الإرهابية، والتجنيد لهذا الهدف وإعطاء معلومات عن المؤسسة العسكرية.
لم يهدأ مخيم عين الحلوة منذ إعلان توقيف الشبكة التكفيرية. الأنظار لا تزال مشدودة نحوه. فالمشتبه في أنه الرأس المدبّر يعيش في أحيائه. ترددت معطيات تُفيد بأنه سيتم تسليم «أبو محمد». المعلومات مغلوطة. فالمؤكد أن الرقم الصعب في معادلة المخيم لا يزال... صعباً.




«مؤامرة تستهدف أمن المخيّم»


التهمة التي قضّت مضاجع القاطنين في مخيم عين الحلوة، لم يستسغها كثيرون بعد. يتحدث هؤلاء عن مؤامرة تحاك لخربطة الوضع الأمني في المخيم. فقد بدأت التظاهرات المنددة بالجيش وبإجراءاته الأمنية المفروضة في محيط المخيم. أُشعلت النيران في الإطارات المطاطية، رُشق جنود الجيش بالحجارة وأُطلقت الأعيرة النارية في الهواء. تحدثت أجهزة الأمن عن محاولات لتهريب المطلوب توفيق طه المعروف بـ«أبو محمد». وسط المعمعة الجارية، أصدرت كتائب عبد الله عزام بياناً حمل توقيعها بعنوان «رد افتراءات مديرية المخابرات». غسل التنظيم المحظور أيديه من أي علاقة له بالشبكة المزعومة، وطالب ذوي الموقوفين بالانتفاض والمطالبة بإطلاق سراح أبنائهم الأبرياء. البيان الصادر استند في ادعائه إلى أن استهداف الجيش لا يدخل ضمن استراتيجيته، فالأولوية لديهم لقتال إسرائيل. ورغم إعلان البراءة، طالب البيان أبناء السنّة بترك المؤسسات العسكرية انطلاقاً من واجب شرعي يُحتّمه الدين عليهم.