سيدوّن في تاريخ القضاء اللبناني، لاحقاً، أن المحامين امتنعوا يوماً عن الحضور إلى المحاكم، في كل المناطق، احتجاجاً على «التجاذبات السياسية» التي أخّرت تعيين رئيس المجلس القضاء الأعلى. هكذا، حسم المحامون أمرهم، أمس، وأعلنوا التوقف عن العمل الاثنين المقبل. وبلسان واحد، من داخل بيت المحامي في بيروت، طلب النقيبان نهاد جبر وبسّام الداية من جميع المحامين «عدم حضور جلسات المحاكمة» في اليوم المحدد. في المقابل، رفض النقيبان إعلان «اليأس» من المسؤولين في الدولة، فدعوهم إلى «إمعان النظر في موقف المحامين النابع من الضمير، وبالتالي قيامهم بمسؤولياتهم الوطنية، تلافياً لأزمة قد تحلّ بالقضاء مع اقتراب انتهاء ولاية مجلس القضاء الأعلى». لم يضع المحامون لتحركهم سقفاً محدداً، إذ في حال عدم التجاوب مع مطلبهم، فإن التوقف عن العمل سيكون «خطوة أولى ... مع عدم التواني عن اتخاذ خطوات تصعيدية أخرى تدريجاً».

أخذ المحامون على عاتقهم، عملياً هذه المرة، خوض معركة «كرامة القضاء». لكن اللافت أنه في ظل هذا الحراك، الذي لم يكن بعيداً في المسافة عن قصر العدل، لم يُسمع أي موقف لقاض في هذا الصدد. طبعاً، ربما يكون مفهوماً أن «موجب التحفظ» يمنع على القضاة الدفاع عن أنفسهم، أو «الانتفاضة» من أجل سلطتهم، في مقابل مساحة الحرية الواسعة للمحامين. لكن ثمّة من كان يتمنى في قصر العدل، أمس، لو يخرج بعض القضاة بـ«ثورة» على السياسيين الذين «يبتزون السلطة الثالثة» باستمرار، على غرار ما فعل القضاة في بعض الدول.
يوم أمس، كان لا بد للمحامين من تذكير السياسيين ببعض نصوص الدستور. ذكّروهم بأن «القضاء سلطة مستقلة»، بحسب مقدمة الدستور والمادة الـ 20 منه. كما ذكّروا بأن «القضاء سلطة مستقلة تجاه السلطات الأخرى في تحقيق الدعاوى والحكم فيها، ولا يحد من استقلالها أي قيد لا ينص عليه الدستور»، بحسب المادة الأولى من «قانون أصول المحاكمات المدنية».
أراد المحامون لفت نظر الجميع إلى أن التجاذبات السياسية، وخصوصاً في موضوع التعيينات القضائية، إنما هي «انتقاص من كرامة القضاء واستقلاله». وبالمناسبة، فإن هذه الكلمات الأخيرة واردة في نص المادة الرابعة من قانون القضاء العدلي، التي تؤكد أن مهمة «السهر» على كرامة القضاء منوطة بـ«مجلس القضاء الأعلى». صحيح أن منصب «رأس السلطة القضائية» شاغر اليوم، لكن، وبحسب القانون، فإن القاضي سعيد ميرزا، بصفته نائباً للرئيس، يقوم بكل مهمات الرئيس. وبالتأكيد، فإن ميرزا، ومعه من بقي من أعضاء في المجلس، مطالبون بـ«السهر» المذكور. لكن، يوم أمس، سمع من أحد الحاضرين في بيت المحامي، همساً، يقول: «كيف لميرزا أن يسهر على استقلالية القضاء وهو نفسه محسوب على جهة سياسية!». هذه الكلمات ربما تلخص أزمة القضاء في لبنان، وهو ما يحلو للبعض تسميته «انفصام شخصية» القاضي، إذ يصعب في بلد كلبنان، غارق في الطائفية والمحسوبية حتى أذنيه، أن يعيّن القاضي في منصبه من جانب جهة حزبية معينة، ثم لا يكون عاملاً في خدمتها أو مراعياً لمطالبها في أحسن الأحوال.
المحامون، الذين يعني تغيّبهم عن العمل «شللاً» للقضاء برمته، يرون أن رئيس مجلس القضاء الأعلى «ليس موظفاً ... بل رئيس سلطة». الأيام المقبلة وحدها كفيلة بأن تظهر إن كان القضاء في لبنان سُلطة ... أم «سَلَطة».