كانت تمرّ في أرجائه عربات الخيل أيّام الأتراك. كانت ألواح «التوتيا» والخشب تزنّر محالّه. كان يغصّ بالحرفييّن وأصحاب المهن الحرّة من سكّافين وحدّادين ونجّارين وغيرهم. كان هذا هو السوق القديم في جبيل. اليوم، لم يعد كل هذا موجوداً. تغيّرت الهويّة، فأصبح سوقاً لبيع التذكارات نهاراً، ومقصداً لروّاد المطاعم والحانات ليلاً. هويّتان لسوق واحد. أمضى ميشال خليفة 55 عاماً من عمره البالغ 77، في السوق القديم. هو صاحب أحد محال بيع التذكارات في السوق، ويعرّف عنه بأنّه من «الأعتق» هنا. ما يعني أنه يحفظ السوق وتبدلاته.


يتذكر خليفة أيام السوق الذي كان «يجمع الحرفيين وتحوّل إلى سوق لبيع التذكارات الشرقيّة بالدرجة الأولى». يروي الرجل بعض الأحاديث عن تلك الأيام، فيحدثنا عن قصّة القنطرة الموجودة في السوق منذ أيّام الأتراك، التي «كان يجتمع تحتها كبار السنّ يوميّاً لتبادل الأحاديث». يقول: «كانت القنطرة مورّقة، بحيث تعطي مناخاً رطباً للمجتمعين في ظلّها، وقد عرف المكان بمركز التنابل، بعدما عمد الأتراك إلى كتابة عبارة Tanbalarim markaze على الحائط للإشارة الى هؤلاء». ينتقل من حديثه عن القنطرة إلى مشهد السوق العام حين «كانت السيّارات تمرّ بين محاله المختلفة ديكوراتها، الى أن أقفلت الطريق أمام السيّارات وتوحدت أبواب المحال واعتُمد القرميد الموحّد فوقها». تحوّل كان من نتيجته «غزو الحديث، حيث ظهرت المطاعم والحانات في السوق القديم، وما عاد السوق ينام لا ليلاً ولا نهاراً». هكذا، افتقد السوق خصوصيته. ميلاد إغناطيوس «يعيش» في السوق منذ عام 1960. كان يصنّع زجاج النوافذ قبل أن يعمد الى بيع الحرفيّات. يحنّ إلى «جمعات كبار السن» في السوق، التي لم يبق منها إلا القهوة الصباحية التي يشربها أصحاب المحال «مجتمعين كعائلة واحدة». السوق القديم هو حسب اغناطيوس السوق الشعبيّ الذي كان يستقطب الكثيرين من ساحل جبيل وجردها، أما اليوم، فهناك «مطاعم وحانات تصل الليل بالنهار». يوافق ديمتري قندلفت اغناطيوس، فيقول إن «المحال في السوق كانت تقفل قديماً الساعة السادسة مساء، وكانت جبيل نعسانة قبل أن تنشط فيها ظاهرة الحانات»، لكن، ثمة فارق بين حديث اغناطيوس وقندلفت، فالأخير يقول إن السوق «حافظ على قديمه وطعّمه بالجديد، ومن يملك اليوم محلاً في السوق يملك ثروة من الصعب التخلّي عنها». قندلفت الذي يبيع الأرتيزانا في السوق منذ 25 سنة يقول «ما كان حدا يبيع متلي، هلأ صاروا 30 محلاً».
أمّا تاريخيّاً، وحسب الدليل السيّاحي يزيد محفوظ، فيعود السوق القديم إلى «نهاية القرن التاسع عشر، وفي بداية ستينيات القرن الماضي بدأت المديرية العامة للآثار عملية تأهيله، فردمت أجزاءً منه لإظهار سور المدينة، وفي عام 1975منع مرور السيّارات في داخله، ورمّمت أبواب المحال لتصبح متشابهة، وأضيف القرميد وبلّطت الأرضية بحجر البحر». ويضيف محفوظ إن «عملية الترميم والتأهيل هذه غيّرت هوية السوق، فبدل أن يبقى مكاناً للحرف القديمة فيأتي اليه أهل المدينة والسياح، ويختلطون بالسكان ليأخذوا فكرة حقيقية عن الحياة في المدينة، تحول سوق جبيل التاريخي الى مركز سياحي للتسوق».