احتفل اللبنانيون البارحة باليوم الوطني للتراث، الذي بات من التقاليد السنوية. ففتحت أبواب المتحف الوطني والمواقع الأثرية مجاناً في هذا اليوم، الذي قررت المؤسسة الوطنية للتراث أن تعطيه عنواناً وبعداً كبيراً لمناسبة مرور 70 عاماً على تأسيس المتحف الوطني 1942- 1972. فأسقطت لافتة كبيرة على مدخل المتحف تقول «أنا صار عمري 70»، ووضعت مئات البوالين واستدعي الطلاب من مدارس بيروت ليجلسوا على أدراج المتحف ويصفقوا للوزراء، حينما يطلب منهم ذلك. ووصل الى المتحف ثلاثة وزراء والسيدة منى الهراوي، فوقفوا تحت الخيمة التي رفعت لهم. وبدأ الاحتفال بالنشيد الوطني الذي عزفته فرقة الموسيقى في الدرك، وللتأكد من مشاركة الحضور وزعت على المشاركين كلمات النشيد الوطني!


وبدأت الكلمات مع وزير الثقافة الذي شرح للحضور أن «نهار التراث مهم جداً لأن التراث هو من مقومات الأوطان مع الشعب والارض والمؤسسات، فالتراث إن كان مادياً مثل الكنوز التي سترونها في المتحف، أو معنوياً مثل التقاليد، فهو يوحد الشعب بالأرض. وطلب ليون من الطلاب أن ينبذوا المشاهد البشعة التي يرونها والتي لا تمت لتراثهم بصلة، مثل ما يحدث في طرابلس حالياً». أما وزير التربية فقال إن «رقي الشعوب يقاس بمدى حفاظها على تراثها وذاكرتها الوطنية، إذا كان لبنان يعتز ويفاخر بتراثه العظيم وآثاره الرائعة، فلا شك بأن إحياء هذا التراث لا يكون بمجرد التغني والتباهي، بل بالإدراك والعلم والثقافة، فكان لا بد لنا من أن ندرج في مناهج التعليم مادة التراث الوطني». أما السيدة منى الهراوي، فشجعت بكلمتها الطلاب على زيارة المواقع الأثرية والمتحف أكثر من يوم في السنة لتعرفوا قيمة لبنان العظيم». ومن ثم أطلقت مئات البوالين في الهواء احتفالاً بالذكرى. فكاد المشهد أن يكون جميلاً لو لم تدخل مع الموسيقى العربية الصاخبة أغانٍ هابطة عن لبنان، والبردوني والاغتراب، فتحلق اليافعون في حلقات الدبكة والرقص الشرقي. كان المشهد الذي لم يدم طويلاً غريباً جداً، وهزيلاً لأنه بعيد كل البعد عن رصانة المتحف والحدث.
وطلبت منهم السيدة ريما شحادة التوجه الى حديقة المتحف، حيث أقامت المؤسسة الوطنية للتراث معرضاً للصور تجسد تاريخ المتحف من يوم بنائه للوصول الى المشاريع المطروحة لتكبيره. وأتت بعض تلك الصور لتبرز حال المتحف خلال الحرب الأهلية. فقسم منها أرّخ وضع المتحف خلال الحرب الأهلية، وكيف افترش المحاربون أسرّتهم بالقرب من عرش الإلهة الفينيقية، وهناك صور أخرى تبرز ساحة المتحف وقد تحولت الى سوق خضار. أتت مجموعة الصور تلك لتخبر قصة متحف يتميز عن كل باقي المتاحف في العالم. فهو شيّد أيام الانتداب بجهود لبنانية، وكان حاضراً على استقلال الوطن وبنائه، ثم أدخلوه في الحرب عنوة. فتحول الى مكان إقامة للقتلة وبات اسمه يعني خط تماس ومركز قتل. ثم قام من الموت والدم ليعود متحفاً من الأجمل في العالم العربي، ويبرز حضارة أرض وشعوب مرت عليها. متحف بيروت يتميز عن كل متاحف المنطقة والعالم بقصة فريدة وتاريخ خاص به. لذا، من المحزن أن يختصر هذا التاريخ ببوالين، وموسيقى ويافعين يرقصون. سبعون سنة لا تختصر باحتفال لا يدوم ساعة!
كذلك يجب التذكير بأن هذا الاحتفال _ الحدث الذي جمع المجموعة الكبيرة من السياسيين والمثقفين مغالط. فالمتحف الوطني افتتح في 27 أيار لا في 17 منه! لكن المؤسسة الوطنية للتراث قررت أن تتناسى هذه المغالطة التاريخية التي لم يؤت حتى على ذكرها، لتستغل الشعار لحث الجماهير والسياسيين على الالتفاف حول المتحف! والمستغرب كثيراً كان أن المؤسسة الوطنية للتراث لطالما أخذت من اليوم الوطني لتوعية الشعب على قضايا الآثار الدقيقة والحساسة. وفي وقت تكثر فيه المشاكل حول الآثار من كل حدب وصوب، فضّلت المؤسسة أن تبقى في الفولكلور، وهي مدركة تماماً بأن الأمر مغالط وأن وزارة الثقافة ستحيي عيد المتحف السبعين في السابع والعشرين من أيار.