تنتهي مطلع الشهر المقبل المرحلة الأولى من التحضيرات لإنشاء سوق للخضار والفاكهة بالمفرّق في بيروت. فعند هذا التاريخ، يكون دفتر الشروط قد أتمّ «برمته» على المعنيين، التي لم يبق منها إلا مكتب وزير الداخلية والبلديات مروان شربل، بعد صولاته وجولاته بين مكتبَي رئيس البلدية بلال حمد ومحافظ بيروت بالوكالة ناصيف قالوش. وبعد الانتهاء من التوقيع الأخير على الدفتر، من المفترض أن تبدأ مرحلة التلزيمات.
في المبدأ، يعني الانتهاء من التلزيمات أن المشروع «صار ع السكة». لكن، ما يحدث على أرض الواقع هو أن خطّ السكة مقطوع. لا مجال لتفعيله أبداً. وثمة أسباب كثيرة تتعلق بحال منطقة بكاملها، من المفترض أنها ستحضن السوق، وبحال ساكنين يواجهون قراراً بخنق ممرّ الهواء هناك والفسحة الأكبر التي يمكن استثمارها بمشاريع أخرى كثيرة، غير سوق الخضار. أما الأسباب الأخرى، الأقرب إلى أن تكون مشاكل، فهي «أولاً الآثار البيئية للمشروع الذي سيلغي فكرة إنشاء حديقة عامة، وثانياً معاناة المنطقة من أزمة مواقف سيارات كان يمكن تفاديها باستغلال هذه المساحة».
لم تؤخذ هذه الأمور بالاعتبار، فثمة مساحة لبيروت وثمة حاجة إلى سوق، فكان ما كان. ومنذ حوالى شهرين، رشح القرار عن اجتماع أعضاء بلدية بيروت الذي يقضي بتخصيص جزء من العقار 1925 لإنشاء سوق للخضار والفاكهة بالمفرق على مساحة 7 آلاف متر مربّع. يومها، هلّل أهالي العاصمة، ولا سيما نقابة تجار الخضار والفاكهة بالمفرق، لهذا السوق. فميزته، بحسب هؤلاء أنه سيخدم «أبعد» من أبناء بيروت الإدارية، لكونه يقع في بقعة قريبة من الضاحية وفرن الشباك وعين الرمانة، ما يسمح للمواطنين بالتسوق بكل يُسر. يعني «شي 10 عصافير ضربناهم بضربة واحدة»، يقول أحد أعضاء بلدية بيروت، المتحمّس للمشروع. لكن، هذه الضربة دونها عصافير أخرى ستسقط في درب هذا القرار. وهم كثر، وعلى رأسهم سكان منطقة الغبيري، التي من المفترض أن يقام السوق على مقربة منها ـــ على الأرض التابعة عقارياً لبلدية بيروت والواقعة بمحاذاة مجمع الإمام محمد مهدي شمس الدين الثقافي. وهنا، بيت القصيد. سوق للخضار على أرض بلدية بيروت «وأوّل الضاحية»، يقول صائب الخليل، أمين سر ندوة الساحل للإنماء. وأول الضاحية يعني أحد «مداخلها» أو «أبوابها» التي تنتهي عندها حدود بيروت الإدارية. وفي هذه الحال، يبدو وضع سوق للخضار بصخبه و«كراكيبه» عند الباب جزءاً من سياسة «الدونية». وهي السياسة نفسها التي ذكّرتهم بـ«استقتال الرئيس الراحل رفيق الحريري لوضع السوق عند هذا الباب في فترةٍ سابقة»، يقول رياض رعد، أحد الفعاليات السياسية في المنطقة. يومها، لم ينجح الحريري في تنفيذ مشروعه على الأرض التي كانت في حينه تضم، إضافة إلى السبعة آلاف متر مربع، مجمع شمس الدين الثقافي و20 ألف متر مربع أخرى (هي اليوم بورة للحجز لقوى الأمن الداخلي ومشاع المسجد القائم هناك). وكان السبب واضحاً، بحسب «تقرير لجنة للخبراء استجلبهم من فرنسا لدراسة آثار المشروع، إذ بيّن هؤلاء أن ثمة سببين لفشل المشروع، أولهما أنه مدخل للمنطقة، وثانيهما أنها كانت البقعة الخضراء الوحيدة المتبقية»، يتابع الرجل.
رعد، الذي عايش الفترة السابقة، من المواجهين الأساسيين للمشروع، لا يجد مبرراً واحداً لتصرف بلدية بيروت، على اعتبار أنه «إذا عندي شي عند جاري ما بعملّو يّاه مزبلة». وصف «المزبلة» لا يروق رئيسَ نقابة تجار مستوردي ومصدّري الخضار والفاكهة سهيل المعبي. فالمزبلة لا تنطبق على «سوقٍ سيطبّق تبعاً للمواصفات العالمية، إذ من المفترض أن تضم المساحة حوالى 250 محلاً، وسيستفيد منه المنتسبون للنقابة من جميع الطوائف والمناطق. يعني لا عربات ولا بسطات، على أن تقام مواقف للسيارات تحت الأرض». ومن المفترض بهذا السوق «الكلاس» أن يخلّص بيروت من حوالى «500 عربة نقالة وبسطة و500 سيارة». لكن، هل تكفي هذه التبريرات لـ«سدّ» مدخل الضاحية بالسوق؟ وفيما لو نفّذ، من سيضبط هذه المواصفات؟ ومن سيضمن حدود السوق التي لن تنفد من سياسة «التبسيط» لمن لا محل لهم داخله؟ وماذا عن زحمة السير الإضافية التي سيحدثها؟ وعن زحمة الكميونات التي ستفرغ حمولتها في السوق؟ وعن النفايات التي ستخلفها المحال؟ كم طن بضاعة ـــ زبالة ستبقى؟ وأين ستصرّف؟ أسئلة كثيرة مشروعة يطرحها الأهالي، ولكن مع ذلك لم يجدوا الجواب لها إلى الآن، فكل ما حصلوا عليه هو أسئلة أهل بيروت الخائفين على عقارهم في أرض «الغير». أسئلة من نوع: ما علاقتهم بأرضنا؟ هل هم أبناء بيروت؟ هل يدفعون ضرائبهم للبلدية كي يقرروا مصير عقاراتها؟ وهل يستفيدون من خدمات بيروت؟
كان يمكن تفادي كل هذه النقاشات «بإقامة حديقة يستفيد منها أهل بيروت وتزيّن مدخل الضاحية أو إقامة مؤسسة عامة»، يقول رعد. لكن، لا مجال، فالحاجة إلى السوق تفوق كل اعتبارات «الترف». فهنا، البحث عن مكانٍ لتنظيم «لقمة عيش حوالى 250 بائعاً»، يقول المعبي. لكنه، في الوقت نفسه «يضرب المنطقة عقارياً، وهي المنطقة ـــ المدخل التي تؤدي إلى المطار والضاحية وبيروت الشرقية أيضاً». ضربة عقارية على «نسق الكرنتينا» و«سوق النورية بالزمانات»، يقول الخليل.
ولهذا السبب، يحرص الأهالي على المواجهة في حال تنفيذ المشروع. وحتى لو كان هناك «عدم معارضة» من قبل بعض الفعاليات السياسية في المنطقة، على الرغم من أن معظمهم غير مقتنعين بأن هناك توافقاً سياسياً على المشروع، ستكون «المواجهة قوية»، يقول الخليل، إذ لا مجال «لتحرير العشوائية من بيروت ووضعها هنا على مقربة من مخفر الدرك والمجمع الثقافي...»، يكمل أحد سياسيي المنطقة. وفي حال تنفيذ المشروع بالقوة «فهناك مجلس شورى الدولة»، يقول رعد. ثمة حال وحيدة يمكن أن يتغاضى فيها السكان عن الخطوات التصعيدية، وهي الحوار. وبحسب أحد العاملين الأساسيين على الملف «من حق الناس أن يبدوا رأيهم قبل البدء بأي مشروع، إذ لا يجوز إسقاط مشروع بهذا الحجم على الناس». ويعطي مثالاً على «مشروع النقل الحضري، إذ لم يباشر البنك الدولي بمشروعه قبل اجتماعه بالأهالي والاطلاع على وجهات نظرهم». لهذا، كان يفترض برئيس البلدية، بلال حمد، وهو الأستاذ الجامعي والمهندس «الذي يعرف معنى إقامة أي مشروع» أن يأخذ برأي أبناء المنطقة وأن يشرح لهم ماهية المشروع وسلبياته وإيجابياته. لكن، على ما يبدو «لم يستعمل الرئيس كفاءاته العلمية ولا موقعه كرئيس بلدية، وهو الموقع الذي يفرض عليه التواصل مع الناس والمسوسين مباشرة بأي مشروع». لكن، على أية حال، يبدو أن المواجهة متأخرة، فعلى قول أحد العارفين في المنطقة «المشروع بدّو أيام وسنين ليصبح على السكة». أما برأي أحد أعضاء بلدية بيروت، فهو «حبّة مهدّئة لطالبيه».




الدفتر بين البلدية والمحافظة

لم «يخرج» دفتر الشروط من مكتب المحافظ ناصيف قالوش بالسرعة التي ابتغاها المجلس البلدي. فقد «علق» أياماً هناك، ما دفع رئيس البلدية بلال حمد إلى التعليق قائلاً «لو كانت السلطة التنفيذية بيد المجلس البلدي لأنجز دفتر الشروط في يومين، ولما بقي في دائرة القضايا كل هذا الوقت». لكن اليومين اللذين تحدث عنهما حمد بالكاد يكفيان لمراجعة الأوراق الناقصة في طلب البلدية، إذ يشير قالوش إلى أن «المجلس البلدي أرسل إلى المحافظة قراراً من دون أي مستند يتضمّن خرائط وإفادات عقارية وبيان مساحة، وهي مستندات ينظّم على أساسها دفتر الشروط، ما استدعى إيداعه دائرة القضايا لتأمين المستندات المطلوبة، ومن ثم أحيل إلى مكتب الدروس».