يحافظ الجرد العالي في الهرمل على فرادته. فهناك، حيث كل شيء «ع الطبيعة»، لا يزال أهله يتمسكون بعادات وتقاليد وحتى نمط عيش مختلف كلياً. ففي تلك الزوايا النائية، لا تزال مهنة الرعي هي الغالبة. ولأنها كذلك، لا تزال لبنة «الضرف» هي الأفضل للقاطنين، نكهة وجودة. وهم لم ينقطعوا يوماً عن إعدادها، كما الزبدة والسمن ومشروع «الشنينة» أو ما يعرف بلبن العيران، الذي هو سيد الموائد أيام الصيف لما يمنح شاربه من ترطيب للجسد ويحدّ من العطش ويفيد المعدة.


تنصب ربة البيت حاجة الهقّ من قرية الكواخ القريبة من جرود الهرمل، «سيبة» خشبية من ثلاثة أعمدة رفيعة، تبلغ من الارتفاع طول قامتها، وتدلّي من نقطة التقاء الخشبات الثلاث حبلاً دقيقاً من مرس، رُبطت في أسفله عصا دقيقة يعلق عليها «الضرف» المصنوع من جلد الماعز. في هذا «الضرف»، سيوضع اللبن «وهو يتسع لتنكة لبن»، تقول حاجة. ويمكن ضرفاً آخر أن يتسع لتنكتين أو ثلاث، «وهذا منوط بحجم الجلد الذي يصنع منه الضرف، فيمكن أن يكون لفحل ماعز أو لعنزة صغيرة، أو حتى لعجل بلدي، يسلخ بطريقة متقنة ويكمخ بعد قص الشعر عنه ويملّح ثم يعرَّض لأشعة الشمس حتى يجف ويصبح صالحاً للخضّ».
كل معاز يقتني ضرفاً خاصاً به، ويمكن البيوت الكبيرة أو تلك التي تعدّ منتَجات الضرف للبيع، اقتناء أكثر من ضرف مختلفة الأحجام «حتى لا تخضّ كمية قليلة مثلاً في ضرف كبير، ولكي لا تصبح عملية الخضّ مزعجة». وبعد أقل من ساعة ونصف ساعة من «الخضّ» مرة نحو اليمين وأخرى نحو الشمال، تخرج من باب الضرف كتلة من الزبدة البلدية التي تجمعت بعد الخض، فتركن جانباً، وهي بالطبع جاهزة للأكل وطعمها حلو أو تجمع بعد أكثر من عملية خض، على عدة أيام، ثم تغلى من جديد في قدر نحاسي أو من الألومينيوم «ويرش فوقها القليل من الطحين البلدي أو طحين الذرة وتترك حتى تبرغل وتصبح بعدها سمنة عربية لمّاعة ملساء تصب «سلاوي» في علبة كبيرة أو علب صغيرة وتترك حتى تبرد وتجمد، وتصير صالحة للطبخ، ويمكنها أن تحتمل التخزين أكثر من سنتين».
أما «المخيض»، فيُشرب «شنينة» أو «عيران»، أو يمكن غليه من جديد وتصفيته لكي يصبح كـ«الأريش». هذا الأريش تصنع منه لبنة «مكعبلة» تعرف في الوسط الجردي بـ«الأمبريس».
ربما استغنى سكان المدن عن الضرف لاستخراج المخيض واللبنة أو المشتقات الأخرى واستبدلوه بخلاط كهربائي، هرباً من تعب «الخض» لساعاتٍ من الزمن من أجل «علبة» لبنة. وقد أصابت هذه العدوى عدداً من بيوت الجرد في المناطق السفلى، لكن سكان الجرد العالي يميّزون طعم زبدة الضرف عن غيرها، وكذلك «الأمبريس».