بين القرن الأول ونهاية القرن الثالث الميلادي، ازدهرت تدمر، التي كانت تسيطر على طرق التجارة بين الصين والهند وبلاد فارس من الشرق، والإمبراطورية الرومانية من الغرب، لكن تاريخ هذه المدينة تلفه الألغاز: كيف كان لها أن تعيش في وسط الصحراء بعدد سكان بلغ المئة ألف؟ كيف استطاعت تأمين المياه والغذاء؟ وما هو سبب عبور الطرق التجارية في الصحراء عبر تدمر؟


تعاون فريق من علماء آثار نروجيين وسوريين، في دراسات دامت أربع سنين، للحصول على أجوبة في إطار مشروع هدفه كشف أسرار المدينة كان قد موّله «مركز الأبحاث النروجي للدراسات المستقلة». يقول مدير المشروع، يورغن كريستيان ماير، من جامعة برغن أن «المكتشفات الأثرية الجديدة تؤمّن معطيات تكشف تاريخ تدمر بعدما حصلنا على صورة شاملة عن بادية الشام في تلك الفترة». فالفريق عثر وحدّد عشرات القرى المنسية التي تعود إلى الفترة الرومانية، كما اكتشف شبكة خزانات تحلّ مسألة الشح في المياه. ويقول ماير «لم تبن تدمر في وسط الصحراء، بل في أرجاء سهول تكثر في تربتها جذور أعشاب تمنع المياه من التسرّب في الأرض. وكانت مياه الأمطار تخزّن بعدما بنيت السدود والأقنية والخزانات لهذه الغاية، ما أدى إلى ازدهار الزراعة في القرى المجاورة لتدمر التي كانت تزودها بالغذاء. وعلى الأرجح تعاون المزارعون في تلك القرى مع بدو بادية الشام، فكانوا يأتون بقطعانهم إلى الأراضي للرعي خلال موسم الحر، مؤمنين تسميد حقول المزارعين من خلال هذه العملية. ازدهار المدينة التجاري يأتي بسبب موقعها بين الإمبرطوريتين الفارسية والرومانية، وغياب السيطرة السياسية لكل منهما عليها. «استثمر تجار تدمر موقع المدينة وتمكنوا من بناء شبكة طرق تجارية أساسية في اقتصاد العالم القديم، ما يفسر ازدهارها الهائل. وغنى المدينة الفاحش بسبب هذه التجارة الدولية، يشرح ضخامة المواقع الأثرية الفريدة المنتشرة في أرجائها».
حل لغز تدمر، الذي يكمن في إمكان تحويل الصحراء إلى أراضٍ زراعية، قد يكون درساً أساسياً للعالم الحالي، الذي يبحث عن طرق تأمين الغذاء لبلايين البشر من خلال توسيع الرقعة الزراعية في العالم، إذ تمكن أهل تدمر من الزراعة في الصحراء، منذ حوالى 2000 عام دون تكلفة عالية، فما الذي يمنع الإنسان من التوصل إلى ذلك في أيامنا هذه؟ «كميات هائلة من الأمطار تتساقطت أحياناً في الصحراء»، يقول البروفسور ماير، «وأي شخص بإمكانه رؤية مدى اخضرار الصحراء بعد الأمطار، لعل هذا ما دفع أهل تدمر إلى إدراك أهمية هذه المساحات على الصعيد الزراعي».