في الطريق إلى الدلافة (قضاء حاصبيا)، لا تستقبلنا اللافتة الزرقاء التي ترحّب بنا على أرضها، بل لافتة صغيرة بيضاء تفيدنا بأننا نغادر منطقة عمل قوات اليونيفيل. نستغرق وقتاً للوصول، سالكين طريقاً ضيقة ومحفّرة، نكتشف لاحقاً أنها الوحيدة التي توصل، ليس إلى وسط البلدة فحسب، بل أيضاً إلى البقاع الغربي من جهة، وجزين من جهة أخرى. وقت إضافي يلزمنا لكي نهتدي إلى رئيس البلدية، الذي واعدنا في منزله لعدم توافر مركز للبلدية. هنا لا سيارات تخترق الشوارع الضيقة، أو حركة لأشخاص تعكر صفو البيوت القليلة الهادئة.


بالكاد نلمح «ختيارة» تسقي حوض زهور أمام بيتها. «وين الناس؟»، نسألها، فتلفت نظرنا إلى أننا أخطأنا في توقيت جولتنا التفقدية على البلدة خارج عطلة نهاية الأسبوع. ذلك أن سجلات الدلافة تضم 700 نسمة، من بينهم 370 ناخباً. أما بيوتها، فتعدّ60، يقيم فيها شتاءً 150 شخصاً، قد يزيدون إلى 250 صيفاً. وإذا كان معظم أهل الدلافة مقيمين خارجها، فإن جهاد ياسين، رئيس بلديتها الحالي الفائز بالتزكية في الانتخابات الفرعية الأخيرة قبل أقل من شهرين ومختارها السابق، لم يتزحزح منها منذ تحريرها عام 2000، إلا من أجل إنجاز خدمات لها. فالشاب كان من أبرز أبناء البلدة الذين نشطوا في الخدمة العامة منذ احتلالها وتهجير عائلاتها، ثم تحولها إلى خط تماس بين الشريط الحدودي والمنطقة المحررة، انطلاقاً من إقامته في البقاع الغربي المجاور، لكن حاجات الدلافة لم تكن مقتصرة على تأمين المياه والكهرباء والزفت والمواد التموينية لأهلها الصامدين فقط، بل أيضاً على إثبات وجودها الإداري على الخريطة إلى جانب الوجود الجغرافي.
يشير المرسوم الاشتراعي الرقم 116 الصادر عام 1959، في فصل المحافظات والأقضية، إلى أن قضاء حاصبيا يضم 24 بلدة، فيما تتألف مدينة حاصبيا، مركز القضاء، من أحياء الفوقاني وصفيفا والعين والدلافة. الأخيرة كانت تعدّ حياً من أحياء حاصبيا، وكانت قيود أهلها مسجلة في قيود حي السراي. ومن هنا، بدأت معركة الوجود.
ياسين، وكثيرون من أبناء البلدة، خاضوا هذه المعركة من خلف أسوار الاحتلال. في التسعينيات وبـ«دفشة» من نواب المنطقة، قدموا مشروع قانون إلى مجلس النواب لإنشاء بلدة الدلافة. القانون صدر في 6 حزيران من عام 1996 حاملاً الرقم 491، الأمر الذي سمح بإدراجها ضمن الانتخابات البلدية والاختيارية للبلدات المحررة. فأصبح ياسين نفسه مختاراً بالتزكية عام 2001، فيما ظلت البلدة تابعة إدارياً لبلدية حاصبيا ومحافظة النبطية. وتتمة لقانون إنشاء البلدة، استكمل المختار فرز عقارات البلدة الممتدة كنطاق إداري على مساحة 4 كيلومترات بين برغز وقليا وحاصبيا ونهر الليطاني من جهة، ونقل قيود أهاليها من حاصبيا إلى سجلاتها المستحدثة، وتعديل بيانات هوياتهم استناداً إلى القانون رقم 637 الصادر عام 2003. «طموح» أبناء الدلافة لم يتوقف عند تحويلها إلى بلدة، بل استكملوا معركة «استقلالهم»، إلى أن أصدر وزير الداخلية والبلديات السابق زياد بارود مرسوماً بإنشاء بلدية فيها أواخر عام 2010، واضعاً إياها بتصرف قائمقام حاصبيا لإدراة شؤونها حتى إجراء الانتخابات التي جرت أخيراً.
من حي السراي إلى البلدية، مثّلت الدلافة نموذجاً للإنماء اللامتوازن بحق الأطراف النائية، إذ إن كل ما أنجز فيها في السنوات الماضية، كان جهداً شخصياً من أبنائها من شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، إلى إنشاء جدران دعم وتجميل مداخل البلدة وتشجير مشاعاتها، وتحويل جزء منها إلى غابة صنوبر محمية. في عام 1982، استخدم الأهالي الأموال التي وصلت لصالح البلدة من صندوق إنعاش القرى، وعمّروا به مدرسة ابتدائية مؤلفة من ستة صفوف، يتعلم فيها أبناء البلدة، بعدما أقفلت الطرق إلى قليا المجاورة، بسبب الاحتلال. لكنها لم تدم أكثر من 4 سنوات بعدما تحولت البلدة إلى خط تماس. الحضور التربوي لم يكفه إنجاز مجلس الجنوب مبنى مدرسة رسمية خاصاً بها الشهر الفائت بدلاً من المدرسة المهجورة. فالطلاب العشرون من أبناء البلدة لا يزالون يقصدون قليا لمتابعة دراستهم، رغم أن معظم العائلات كانت قد نزحت لتوفر لأبنائها فرصاً لمتابعة دراساتهم العليا. وحتى توافر العدد الكافي وتجهيز المبنى لتشغيله كمدرسة، قد يجري استخدام أقسام منه في الفترة المقبلة كمقر للبلدية ومكتبة عامة ومستوصف. التهميش الذي عاناه «الدلافيون» في حياتهم، كان يلحقهم إلى الموت، إذ حتى وقت قريب، لم تكن تتوافر فيها مقبرة خاصة، وكان أبناؤها يدفنون في قليا، حيث لا يزالون يقيمون مناسباتهم لعدم توافر مبنى حسينية فيها.
ليس التهميش وحده مصيبة الدلافة، بل سوء الحظ أيضاً. فالبلدة «المستضعفة» كما يصفها ياسين، لم تهنأ طويلاً بالإنجاز الذي انتظرته سنوات. قبل عامين، افتتحت وزارة الأشغال العامة جسر الدلافة أو جسر المقاومة، الذي يرتفع فوق مجرى نهر الليطاني 25 متراً، ويصل بين منطقتي حاصبيا وجزين ممتداً على طول 60 متراً وعرض عشرة أمتار، لكن الجسر توقف عن العمل بشكل كبير بعد أشهر بسبب ظهور الحفر على الطريق بالاتجاهين، قبل الجسر وبعده، والممتدة بطول خمسة كيلومترات. والسبب بحسب ياسين، العبور العشوائي للشاحنات التي تدخل وتخرج إلى ثمانية مرامل وكسارات محيطة بالبلدة. ما جعل المشروع غير قابل للعبور من قبل السيارات، ويدفع بسكان المنطقة إلى سلوك 40 كيلومتراً إضافية للوصول إلى جزين ثم المنطقة الساحلية. وطالب ياسين الأجهزة المعنية بمنع مرور الشاحنات بعد تنفيذ مشروع صيانة الطريق المنتظر.
ثروة أخرى تدلف على الدلافة من دون استثمار منظم. إنه وادي نهر الليطاني، الذي يمثّل مغارة مفتوحة تتدلى من جوانبها مغاور صغيرة وأنفاق وتجويفات وترسبات وجداريات تغرق شتاءً بمياه النهر، الذي يعلو منسوبه، لكن الوادي لم يأخذ حقه السياحي رغم أنه مقصد للطيور المختلفة والبط، إذ لحظه عدد قليل من سكان المنطقة، وباتوا يرتادونه منذ التحرير، مستفيدين من ثلاثة متنزهات أنشئت على ضفافه من قبل أصحاب عقارات مجاورة للنهر. وإن كان عدوان تموز 2006 قد أثّر على إقبال المواطنين، فإنه دمر أيضاً مزارع السمك النهري التي كانت قائمة في أحد المتنزهات. المبادرات الخاصة لاستثمار النهر، قابلتها خطوة واحدة من الهيئات الرسمية في البلدة، تمثلت في شق طريق للوصول إلى الوادي، لكن الطريق التي شُقت بجرافة اسرائيلية من غنائم المقاومة، تنتظر صيانتها وتدعيمها لاستقطاب مزيد من الرواد.




تشجير من القجة

من المقرر أن تحصل الدلافة على حوالى 33 مليون ليرة سنوياً بعد ترتيب وضع بلديتها الإداري، وهي حصتها من عائدات البلديات. ولأن المبلغ أقل من أحلام البلدة الناشئة على غرار الأموال التي كانت تصلها في السنوات الماضية، كان رئيس البلدية قد اقترح استحداث «صندوق المصلحة العامة»، الذي تودع فيه كل عائلة مبلغاً رمزياً كل شهر، ويعود ريعه لتنفيذ مشاريع تنموية وحيوية للبلدة. القجة البسيطة شجّرت 15 دونماً من المشاعات وسقتها عبر الري بالتنقيط. الصندوق الرمزي سيسهم لاحقاً في تحقيق أحلام الدلافيين الكبيرة، ومنها فرز نفاياتهم وتدويرها وإنشاء ملعب رياضي ومحميات طبيعية والإنارة على الطاقة الشمسية وتطوير قطاع الزيتون.