في أقصى شمال فلسطين المحتلة، بالقرب من الحدود مع لبنان (مقابل العديسة وكفركلا) في منطقة زراعية، يقع تل أثري معروف في المنطقة باسم تل إبل، أو تل القمح. حتى الأسابيع الماضية، لم تكن أي حفرية أثرية قد جرت في الموقع، لكنّ فريقاً من جامعة «آزوزا ـــــ باسيفيك»، التي يديرها إنجيليون في كاليفورنيا بدأ يبحث عن مدينة جاء ذكرها في سفر الملوك في التوراة، وهي آبل بيت معكة. ومدير الحفرية البروفسور روبرت موللينز هو عالم آثار معروف في الأوساط العلمية بـ «إندينا جونز»، وهو يعشق إبراز علم الآثار على أنه بحث مغامراتي لحضارات قديمة. فهو يأخذ على عاتقه تحويل اللقى الأثرية العادية في المواقع إلى تحف تخبر عن تغير الفترات الزمنية.


ويأمل موللينز «اكتشاف ما حصل للمدينة عندما اجتاحها الآشوريون»، ويتنبأ بما يأمل أن يعثر عليه: «سأكون متحمساً جداً إذا عُثر على بقايا قلعة المدينة أو المنحدرات التي بنيت من أجل الحصار، والمدينة كانت مركزاً مهماً على الصعيدين الإداري والتجاري، وازدهارها قد يكون السبب المباشر وراء تدميرها على يد الجيش الآشوري».
يشير موللينز إلى أن المدن في العصور القديمة لم تكن تموت بسبب هجرة سكانها، الذين كانوا يأخذون معهم كل ما يملكون، لكن عند سقوط مدينة في أيدي جيش غازٍ، لا وقت لحزم الأمتعة ونقل الأغراض، «كل هذا يجمده الزمن، لذا يحب علماء الآثار مواقع المدن المدمرة».
ويأمل موللينز أن تكشف أعمال التنقيب مصير المدينة، وبصورة خاصة ما يشير إلى دمارها من قبل الآشوريين. وتجدر الإشارة إلى أن طبيعة الآثار تكشف هوية المدينة: إذا جرى العثور على خناجر ورؤوس رماح بكثرة، فهذا يشير إلى الهوية العسكرية للمدينة. وإذا عُثر على أجران كبيرة لتخزين الحبوب، زيت الزيتون والخمر، فهذا يشير إلى هوية زراعية وإدارية، وقد تكون المدينة مركزاً إدارياً لجمع الضرائب.
أخّر أعمال التنقيب في الموقع عاملان: عدم شهرة الموقع، وموقعه الجغرافي بالقرب من الحدود مع لبنان، حيث تدور فصول الحرب بين إسرائيل ولبنان منذ 1948. يقول موللينز إن وضع التل لم يتغير منذ العصور القديمة، فالموقع كان، مدينة دفاعية على خط تقاطع فينيقيا، إسرائيل والإمبراطورية الآشورية. ربما يكون هذا هو السبب الذي اختير من أجله هذا العالم لهذا الموقع. فموللينز مقيم في إسرائيل منذ 20 سنة، ويعرف أنّه خبير في شؤون الشرق الأوسط، لذا، فالموقع الذي لا يزال على خط حرب يجب أن ينقبه عالم متمكن من الإيديولوجية الصهيونية، مدافع عنها ولن يتأخر أبداً في استخدام اللقى الأثرية لتبريرها، إذ يمكن تحويل التل إلى رمز للمقاومة عبر الزمن. في البداية كانت المقاومة ضد الآشوريين، واليوم ضد اللبنانيين المتجسدين بحزب الله.
(الأخبار)