إعداد: محرر الشؤون القضائية


نبدأ بعرض استجواب الرئيس اليوغوسلافي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش لـ«الشاهد» سلوبودان لازاريفيتش الذي استند المدعي العام الدولي الى أقواله، من بين أقوال آخرين، لاتهام ميلوسيفيتش بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدّ الانسانية. أُحضر لازاريفيتش الى قاعة المحكمة في لاهاي يوم 19 شباط 2003 مدّعياً انه ضابط استخبارات صربي، رفيع المستوى بينما نفى ميلوسيفيتش ذلك قائلاً انه منتحل صفة.

سأله ميلوسيفيتش أمام المحكمة:
■ «انا أسألك يا سيد لازاريفيتش لأن لا أحد يعرفك في أمن الدولة ولا حتى الشخص الذي تدّعي انك كنت بامرته، ويبدو الامر غريباً بالنسبة لي. أنت تصفه (في الافادة الخطية) بأنه أشقر ويبلغ 40 سنة، وتقول انه كان طيباً في تعامله معك. أليس كذلك؟
«الشاهد» لازاريفيتش: هذا ما أقوله.

■ ميلوسيفيتش: هذا ما تقوله. حسناً. هل تعرف لقب هذا الشخص الذي يدعى بييو؟
لازاريفيتش: بييو.

■ ميلوسيفيتش: هل تعرف لقبه؟
لازاريفيتش: كلا، أعرفه بأنه الكولونيل بييوفيتش، ويطلقون عليه اسم بييو.

■ ميلوسيفيتش: بييو لقب الكولونيل بييوفيتش. انت ذكرته مرتين. والآن تكرر ذلك. هل كنت تعلم أن رفاقه كانوا ينادونه بييو تسيغا (أي بييو الغجري بالصربية)؟
لازاريفيتش: من الصعب التصديق بأن الرجل كان له هذا اللقب لأنه ينتقص من مكانته.

■ ميلوسيفيتش: لماذا كان يلقب بذلك؟
لازاريفيتش (متوجهاً الى القاضي بالانكليزية): حضرة القاضي هل لهذا الامر صلة بالموضوع؟
القاضي (البريطاني) ريتشارد ماي: لحظة. دعه يسأل وسنرى.

■ ميلوسيفيتش: قلت بنفسك إنه رجل أشقر الشعر وعمره 40، فهل كنت تعرف أنه حصل على لقبه بسبب سواد شعره وسمار وجهه؟ فهو لم يكن أشقر على الاطلاق وانت لم تره في حياتك. انت أكّدت على وصفه كذلك بينما هو أسمر. انت سمعت به ولا تعرفه. هل كنت يوماً في المكتب السياسي؟
القاضي ماي: لا افهم السؤال سيد ميلوسيفيتش، أعد السؤال.
ميلوسيفيتش: سيد ماي، انه يصف بييوفيتش. الشاهد يصف بييوفيتش بأنه أشقر الشعر بينما كل من يعرفه يعلم بأنه أسمر وشعره أسود. هو اذاً يقول...
القاضي ماي: حسناً لنتوقف هنا.
ميلوسيفيتش: انه...
القاضي ماي: وصلتنا الفكرة... وصلتنا الفكرة. الكولونيل بييوفيتش المعروف ببييو. (متوجهاً الى الشاهد) انت وصفته بشكل خاطئ كما قيل. سيد لازاريفيتش ربما يمكنك أن تتعامل مع ذلك...
لازاريفيتش: حضرة القاضي، ان الشخص الذي عرّف عن نفسه لي في اليوم الاول الذي التقيته هو الكولونيل بييوفيتش المعروف باسم بييو، لكن جميع الضباط، بمن فيهم السيد بييوفيتش، كانوا يحلقون شعرهم بشكل قصير جداً جداً».
لم يتوقف الرئيس اليوغوسلافي السابق، الذي كان قد طلب بأن يتولى الدفاع عن نفسه بنفسه أمام المحكمة (على الرغم من أنه لم يعترف بها كمحكمة شرعية)، عند هذا الجواب الذي يدل الى ان «الشاهد» يجافي الحقيقة، بل تابع استجوابه ليتبين أنه كان قد تقاضى أموالاً من المحكمة الدولية بعدما ادخل برنامج حماية الشهود. سأله ميلوسيفيتش:

■ «أنت قلت بأنك تقوم بهذا العمل (الشهادة أمام المحكمة الدولية) بسبب قناعاتك، لكن تبين لنا الآن أنك تقاضيت مالاً في المقابل. كان دافعك الاساسي هو المال.
لازاريفيتش: هذا غير صحيح سيد ميلوسيفيتش.

■ ميلوسيفيتش: لماذا فعلتها؟
لازاريفيتش: لأنني مقتنع.

■ ميلوسيفيتش: الى أي حد فعلتها بسبب قناعاتك أو مقابل المال؟
لازاريفيتش: (لا جواب).
ميلوسيفيتش: حسناً حسناً سيد لازاريفيتش»...
«شاهد» آخر هو رادومير ماركوفيتش، مدير الاستخبارات اليوغوسلافية ونائب وزير الداخلية السابق. سجنته السلطات الصربية استناداً الى توصية من المحكمة الدولية، وبعد مرور نحو 17 شهراً من الاعتقال في بلغراد أحضر ماركوفيتش الى قاعة المحكمة في لاهاي في 26 تموز 2002. ماركوفيتش كان قد وقّع، أثناء اعتقاله، على نصّ افادة تشير الى أن ميلوسيفيتش أمر بتدمير أدلة تكشف أنه ارتكب جرائم في اقليم كوسوفو. سأله ميلوسيفيتش:

■ «لقد القي القبض عليك فقط بهدف الضغط عليك لتتهمني؟
«الشاهد» ماركوفيتش: نعم لهذا السبب اعتقلوني.

■ ميلوسيفيتش: هل صحيح أنهم وعدوك بحمايتك وبأنهم سيسجنونك وسيحاكمونك اذا لم تقبل باتهامي زوراً؟
ماركوفيتش: لقد شرحوا لي صعوبة وضعي وأعلموني بالعواقب التي يمكن أن تحصل، وكان البديل بأن أشير الى ميلوسيفيتش كمن أمر بهذه الامور التي تؤدي الى معاقبته.
ميلوسيفيتش: هل عرضوا عليك هوية جديدة ومكاناً جديداً للاقامة ومالاً لك ولعائلتك مدى الحياة مقابل اتهامي زوراً؟ هل هذا صحيح؟
ماركوفيتش: هذا صحيح.

■ ميلوسيفيتش: هل كنت تعلم أن في العام 1988 وقّعت الجمعية العمومية للامم المتحدة اعلاناً ضدّ التعذيب بعد موافقة جميع الدول عليها؟ وأن المعاملة التي خضعت لها، اي اخضاعك للضغط وتهديدك بالعقاب، كانت ممنوعة؟
القاضي ماي: لا علاقة لهذا السؤال بالادلة التي قدمها هذا الشاهد هنا. لا علاقة على الاطلاق. هو يوافقك تماماً ويوافق على القضايا التي عرضتها عليه. بالتأكيد لن نقوم بمراجعة ما حصل في يوغوسلافيا لدى اعتقاله.
ميلوسيفيتش: سيد ماي، ان تصرّفات نظام الوصاية في بلغراد متلازمة مع هذه الاتهامات الكاذبة.
القاضي ماي: هذه هي بالتحديد الامور التي لن نأخذها في الاعتبار. هل لديك أسئلة اضافية لهذا الشاهد؟

■ ميلوسيفيتش: هل صحيح أن القانون في بلدك يعاقب على تقديم افادة كاذبة؟
القاضي ماي: هذا السؤال مرفوض. عليك أن تتعامل مع الادلة التي يقدمها. هل تنكر مثلاً... هل تنكر الاجتماع الذي قيل انك حضرته حيث كان هناك حديث عن تطهير الاراضي؟ اذا كنت تنكر يجب ان تعبر عن ذلك...

■ ميلوسيفيتش: سيد ماي، هذا هو السؤال الذي طرحته بالتحديد. هل صحيح ان افادتك بشأن تطهير الاراضي هي من صياغة واشراف الأشخاص أنفسهم الذين ضغطوا عليك وعذّبوك لنحو عام ونصف عام؟
ماركوفيتش: نعم هذا جزء من كلام هؤلاء.

■ ميلوسيفيتش: هل انتجت هذه الافادة من قبل الاشخاص أنفسهم الذين تكلموا معك بشأنها؟
ماركوفيتش: هذا صحيح.

■ ميلوسيفيتش: عادة ما تكون قيادة الاستخبارات في أي بلد بيد الاشخاص الاكثر اطلاعاً. هل كانت بحوزتك، أو هل سمعت أو اطلعت على أي تقرير بشأن أي أمر بطرد الالبان من كوسوفو؟
ماركوفيتش: كلا لم أسمع بأمر كهذا ولم يرد ذلك بأي تقرير. لم يصدر أمر عن أي شخص بطرد الالبان». بعد انتهاء مثول رادومير ماركوفيتش في المحكمة، اعيد الى بلغراد. وبما أنه رفض العرض الذي كان الادعاء قد قدّمه له ورفض بالتالي ضمّه الى برنامج حماية الشهود، حكم عليه بالسجن لمدة سبعة أعوام.