استدعي «الشاهد» زوران ليليتش الذي كان رئيساً ليوغوسلافيا من عام 1993 حتى عام 1997 في المحكمة الدولية. عدّ ليليتش أبرز شهود الادعاء في القضية بحكم موقعه.

سأله ميلوسيفيتش عن العلاقة بين عدد اللاجئين في كوسوفو وقصف حلف شمالي الأطلسي (ناتو) على هذه المنطقة ومحيطها فأجاب:
«قبل بدء قصف الناتو، كان عدد اللاجئين في مقدونيا وألبانيا يصل الى 35 ألف لاجئ. وبعد قصف الناتو، وبحسب أرقام المفوضية العليا للاجئين، وهي ليست أرقامنا، ارتفع عدد اللاجئين الى 780 ألفاً.
ميلوسيفيتش: لم يكن واضحاً وضوح الشمس أن هؤلاء لم يلتجئوا من العمليات الصربية ولم تكن هناك عمليات ترحيل...
القاضي ريتشارد ماي: حسناً، أنا لست متأكداً إذا كان بإمكان هذا الشاهد الإجابة عن ذلك. هو لم يكن هناك خلال هذه الفترة. هذه قضية حساسة يجب أن تحسمها المحكمة، ورأيه بشأنها قد لا يساعد على ذلك.
ميلوسيفيتش: سيد ماي، أنا لا أسأله عن رأيه بل عن معلومات كانت متوافرة لديه بحكم منصبه آنذاك نائباً لرئيس الوزراء.
القاضي ماي: لا يمكنه أن يقول. لا يمكنه أن يتناول الوقائع. لا يمكنه قول ما حصل... يمكنه فقط التحدث بشأن تقارير كانت بحوزته، وهذا ما فعله وهذه قضية حساسة. لا يمكنه القول من معرفته الشخصية ما الذي أدى الى تهجير الألبان. وكما قلت هذه قضية علينا أن نقرر بشأنها.

■ ميلوسيفيتش: حسناً. هل لديك معلومات عن أسباب تهجير الألبان؟
القاضي ماي: لا، لن أسمح بذلك السؤال.
ميلوسيفيتش: سيد ماي، يبدو أنه مسموح لك توجيه أسئلة الى شهود سمعوا بشكل غامض أو شاهدوا شيئاً في قرية بوسنية، بينما لا يمكن توجيه أسئلة الى رئيس ونائب رئيس وزراء سابق ليوغوسلافيا الذي يمكنه الإجابة...».
أما بشأن الاتهامات التي وجهها الادعاء الى ميلوسيفيتش بارتكاب جرائم إبادة وخصوصاً في سريبرينيتشا، فقد قدّم جيفري نايس من مكتب المدعي العام مرافعة أشار فيها الى الفقرة 117 من إفادة ليليتش وسأل:

■ «بعد سقوط سريبرينيتشا، ولدى اكتشاف تفاصيل المجزرة ماذا كانت ردة فعل المتهم (ميلوسيفيتش)؟
«الشاهد» ليليتش: أعلم أنه كان مصدوماً بعمق وغاضب. وبدا لي مستاءً بصدق وقال لي: إذا كانت القادة في منطقة بال قد أمروا بذلك، فهم مختلون عقلياً. أنا متأكد أنه لم يعط أمراً بذلك...
المدعي العام: أنت تعرف بالطبع أن هناك وقائع في قرار الاتهام، لكنني لن اعترض على تعبيرك عن رأيك...».
وفي الجلسة نفسها، سأل ميلوسيفيتش:
«سيد ليليتش، كنت تريد أن تتحدث عن سريبرينيشا، لكن السيد نايس (المدعي العام) قاطعك. أنا أطلب منك أن...
القاضي ماي: هذا ليس عادلاً. لم يقاطعه، بل سمح للشاهد بأن يقدم وجهة نظره، لكنها مجرّد وجهة نظر. إنه عبّر عن رأيه. فما أشار إليه السيد نايس عن حق... ما أشار إليه السيد نايس بحقّ هو أن ما قاله الشاهد هو مجرّد رأي وأن الحسم بهذه المسألة يعود للمحكمة. نعم. ميلوسيفيتش: سيد ماي، برأيي هذا ليس صحيحاً لأن الموضوع لا يتعلّق برأي السيد ليليتش، بل بمعرفته بحكم موقعه. فهذا الشاهد يختلف عن الشهود الآخرين الذين استدعاهم الادعاء سابقاً.
القاضي ماي: حسناً، يمكنك توجيه الأسئلة الى الشاهد بشأن معرفته بهذه المسألة طبعاً.

■ ميلوسيفيتش: هل يمكنك أن تجيب عن سؤالي: ماذا كنت تعلم بشأن هذه القضية (سريبرينيتشا)؟ وماذا كانت القيادة الصربية بهذا الشأن؟ ماذا كانت تعلم القيادة اليوغوسلافية؟ فما حصل في هذا المكان كان أمراً محزناً ودراماتيكياً. أنا لا أسألك عن رأيك لأن الآراء غير مسموحة كما ترى، أنا أسألك فقط عن معرفتك بالوقائع.
ليليتش: ما أعرفه شرحته لكم. قلت لكم إنه لا أحد في القيادة السياسية اليوغوسلافية أعطى أوامر بهذا الشأن ولم نعلم شيئاً عن القضية. وتحدثت عن مشاعري بشأن هذه الأحداث التراجيدية عندما التقيتك بعد مرور بضعة أيام وقلت إنك كنت غاضباً وحزيناً. وتبين لي أنك لم تكن ضالعاً في ذلك على الإطلاق».

استدعي «الشاهد» الكسندر فاسيليفيتش الرئيس السابق للمخابرات العسكرية في يوغوسلافيا. وكان فاسيليفيتش قد أفاد للادعاء بأن ميلوسيفيتش كان قد أرسل مجموعات عسكرية الى كرواتيا وإلى البوسنة. سأله ميلوسيفيتش:

■ «أنت قلت إنه في مدينة سيد كانت هناك مجموعات قتالية لم يعرف من أرسلها. أليس كذلك؟
«الشاهد» فاسيليفيتش: نعم بشأن معسكرات التدريب.

■ ميلوسيفيتش: حسناً. ألم يسعَ كل حزب معارض الى تشكيل وحدات من المتطوعين؟
فاسيليفيتش: هذا ما فعلوه للتنافس على وطنيتهم.

■ ميلوسيفيتش: صحيح. فعلت ذلك أحزاب المعارضة، أليس كذلك؟
فاسيليفيتش: لقد قلت ذلك في إفادتي المكتوبة إضافة الى الشرطة...
ميلوسيفيتش: سنتحدث عن ذلك بعد لحظات، لكن أجب عن هذا أولاً: ألم يكن تشكيل المجموعات القتالية محصوراً بالمعارضة وذلك بهدف الانقلاب عليّ وعلى حكومتي في 9 آذار 1991 وخلال السنوات العشر التي تلت؟
القاضي ماي: لحظة. ما هو السؤال؟

■ ميلوسيفيتش: إذا كانت هذه المجموعات قد أنشأتها الشرطة، وأنت تقول إن الشرطة كانت بإمرتي، هذا يعني أن الشرطة كانت ضدّي. أما إذا لم تكن الشرطة ضدّي، فما تقوله غير صحيح. أليس كذلك يا جنرال؟
فاسيليفيتش: كلا.

■ ميلوسيفيتش: أنت تدّعي أن الشرطة كانت تؤلف مجموعات قتالية قاتلت ضدّ الحكومة السابقة وضدي كرئيس سابق؟ الشرطة التابعة للنظام السابق نفسه؟
القاضي ماي: لحظة، دع الشاهد يجيب عن هذا السؤال ويوضّح، ومن ثم سنرفع الجلسة.
فاسيليفيتش: سأجيب. لم أدّعِ أن الوحدات القتالية التابعة للمعارضة كانت قد أنشأتها الشرطة.
ميلوسيفيتش: إذاً أنت لا تدعي...
القاضي ماي: دع الشاهد يجيب ولا تقاطعه.
ميلوسيفيتش: اعتقدت أنه قال ذلك، فإذا تراجع نكون قد انتهينا».
وبينما كانت تنعقد الجلسات التي تخللها كذب الشهود المقنعين وغير المقنعين، أذنت المحكمة للادعاء بإدخال تعديلات على قرار الاتهام. وفي النسخة المعدلة من القرار لم يُتهم ميلوسيفيتش بجرائم إبادة في كوسوفو، بل بقتل نحو 730 ألبانياً في كوسوفو، مقابل اتهامه المسبق بإبادة 100 ألف ألباني أو 44 ألفاً بحسب الأمم المتحدة أو 11 ألفاً، وهو الرقم الذي احتسب رسمياً بعد نهاية حرب كوسوفو.




استئصال «أساس الشرّ»؟

بثّت وسائل الإعلام الدولية صور نقل الرئيس اليوغوسلافي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش إلى سجن المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة في لاهاي (في حزيران 2001). وكانت إدانته قضائياً أكيدة ومحسومة بالنسبة إلى «الرأي العام» وما يسمّى «المجتمع الدولي»، قبل بدء جلسات المحاكمة، تماماً كما هي حال حزب الله (وقبله سوريا) الذي كانت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان قد اتهمت أربعة من رجاله بالضلوع في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. الفرق أن مصطفى بدر الدين وسليم عياش وحسين عنيسي وأسد صبرا تمكنوا من الإفلات من قبضة المدعي العام الدولي، بينما عجز ميلوسيفيتش عن ذلك ومات في ظروف غامضة في سجن سخيفنينغن عام 2006. جاك بول كلاين هو أحد المفاوضين الدوليين خلال حروب البلقان، وتحوّل في ما بعد إلى مساعد في المساعي الدولية للقبض على الأشخاص المطلوبين من المحكمة الدولية بجرائم حرب. عبّر كلاين عمّا كان يدور في أذهان الكثيرين عندما بدأ عمل المحكمة الدولية: «إن أول ما نقوم به هو العمل الدبلوماسي، أي الحوار والتفاوض والبحث عن القواسم المشتركة، وكل ما يتطلّبه تجنّب العنف، لكن يأتي وقت ونلتقي بشخص مضطرب العقل لا يفهم أياً من الأعمال الدبلوماسية. فبالنسبة إليه كل مساومة من قبلنا هي علامة ضعف، وبالتالي هو يندفع إلى مزيد من التشدّد. ونحن بحاجة إلى طبيب جراح، نحن بحاجة إلى استخدام القوة، نحن بحاجة إلى جرّاح لديه بين 30 و40 ذراعاً، وإذا بتر جيداً وبنظافة يمكنه التقليل من أضرار الجلد والأعصاب والعضلات ومن ثم يشفى المريض. أما إذا دخلنا في جدل حول هوية الطبيب الجراح، وأية وسائل طبية سيستخدم، ومَن سيكون طبيب البنج وأين ستجرى العملية، سيلتهب الجرح وسيموت المريض (...). إن ميلوسيفيتش مضطرب العقل... وهو أساس الشرّ». لكن المحكمة الدولية عجزت عن إثبات المسؤولية الجنائية لميلوسيفيتش.